
أسامة العوض..يكتب..من حراسة البوابة إلى فوضى المنصات: كيف نستعيد الرقابة في زمن التهميش؟
في الحروب النفسية والإعلامية ( حرب السودان نموذجاً ) ، لا يستخدم الإعلام كمنصة لنقل الأحداث والمواقف والوقائع ، بل يفعل وينشط كسلاح خفي متستر عليه ، بغرض تشكيل الإدراك العام، حيث تتحول الشاشة الصغيرة والكبيرة إلى مسرح لهندسة المفاهيم وإعادة تعريف الواقع .من كل ذلك لم تعد الجماهير أمام انحياز إعلامي عابر مؤقت ، بل أمام مشروع هندسة نفسية وتضليلية سياسية بالغة الأثر ، تستند إلى نماذج علمية طُورت لفهم الجماهير، ثم أعيد ربطها وتوظيفها لتفكيك الوعي المجتمعي ، وتوجيه إدراكه ، للهيمنة عليه .ولطالما قامت نظرية حارس البوابة Gatekeeping Theory، التي صاغها كورت لوين وطورها ديفيد مانينغ وايت، على فكرة بسيطة وحاسمة: ليس كل ما يحدث صالحاً للنشر. كان هناك شخص، أو مؤسسة، أو هيئة تحرير، تقوم بدور الفلترة والغربلة والتدقيق، فتسمح بمرور المفيد وتمنع الضار، وفق معايير مهنية وأخلاقية وقانونيةاليوم، نحن نعيش عصر النظرية المضادة تماماً:نظرية تهميش حارس البوابةلقد جاء الإعلام الرقمي وإعلام المنصات الإلكترونية بفلسفة جديدة قوامها: “من حق أي شخص أن يقول ما يشاء، ويكتب ما يشاء، ويبث ما يشاء، دون أن يمنعه مانع”. سقط الحارس، وهُدمت البوابة، وأصبح الفضاء مفتوحاً بلا حسيب ولا رقيب، تحت شعار براق اسمه “حرية التعبير المطلقة”.والسؤال الجوهري الذي يفرضه هذه المقال: هل هذه حرية حقيقية، أم هي فوضى منظمة تهدد وعي المتلقي وأمن المجتمع؟
أولاً: ماذا يعني تهميش حارس البوابة؟
يعني ثلاثة تحولات خطيرة:
1. انتقال السلطة من المؤسسة إلى الفردلم يعد رئيس التحرير هو من يقرر، بل أصبح صاحب الهاتف الذكي هو من يقرر ما هو خبر.
2.إلغاء معايير التحققفي الإعلام التقليدي، الخبر يمر بثلاث مراحل: تحرير، تدقيق، مراجعة قانونية. في إعلام المنصات، ينشر الخبر أولاً ثم يتم التحقق منه – إن تم – بعد أن يكون قد أحدث ضرره.
3. تحول المتلقي إلى ضحيةالمتلقي لم يعد أمام وجبات إعلامية مفلترة، بل أمام سيل جارف من المعلومات، الصحيح منها والكاذب، والمفيد والمسموم، دون أن يملك أدوات الفرز.وحرب السودان كانت الدليل العملي الأكبر على ذلك. كيف انتشرت فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي، وأخبار كاذبة عن سقوط مدن، وشائعات عن أسلحة محرمة، وحققت ملايين المشاهدات، بينما الحقيقة كانت حبيسة غرف العمليات؟ السبب هو غياب الحارس
ثانياً: كيف يمكن تمكين الرقابة دون العودة للديكتاتورية الإعلامية؟إن الحل ليس في إعادة حارس البوابة القديم، بسلطويته واحتكاره، فذلك مستحيل تقنياً ومرفوض ديمقراطياً. بل المطلوب هو بناء نظام جديد من الحراسة الذكية يقوم على خمسة مستويات متكاملة
1. الرقابة الذاتية والتربية الإعلامية (الحارس الداخلي)وهذا هو الأهم. لا يمكن أن نضع شرطياً خلف كل هاتف. يجب أن نزرع الحارس داخل عقل المتلقي نفسه. وذلك عبر إدخال مادة “التربية الإعلامية والمعلوماتية” في المناهج التعليمية، لتعليم الطالب كيف يميز بين الخبر والرأي، وبين المصدر الموثوق والمشبوه، وبين الصورة الحقيقية والمفبركة. المواطن الواعي هو خط الدفاع الأول.
2. الرقابة المهنية المؤسسية (الحارس البديل)يجب أن تستعيد المؤسسات الإعلامية المحترفة دورها ليس كمانع للنشر، بل كـ “موثّق” للنشر. مهمتها لم تعد منع المعلومة، بل تصحيحها. نحتاج إلى منصات وطنية قوية للتحقق من الأخبار Fact-Checking، تعمل بسرعة المنصات نفسها، وتفند الشائعة في نفس لحظة انتشارها.
3. الرقابة القانونية والتشريعية (الحارس القانوني)الحرية المطلقة هي فوضى مطلقة. كل دول العالم المتقدم، بما فيها أمريكا التي اخترعت المنصات، وضعت قوانين صارمة لجرائم النشر الإلكتروني. نحتاج في السودان إلى قانون رادع وحديث لجرائم المعلوماتية، لا يعاقب الرأي، بل يعاقب الكذب المتعمد، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف، ونشر أسرار الدولة العسكرية. قانون يوازن بين المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (حرية التعبير) والمادة 29 (مسؤولية الفرد تجاه المجتمع).
4. الرقابة الخوارزمية (الحارس التقني)المنصات نفسها (ميتا، إكس، تيك توك) تمتلك خوارزميات تستطيع فلترة المحتوى الإرهابي والإباحي. لماذا لا تلزمها الدول باتفاقيات لتفعيل نفس الخوارزميات لفلترة الأخبار المضللة التي تهدد السلم الأهلي؟ يجب الضغط دولياً لتوطين هذه المسؤولية.
5. الرقابة المجتمعية (حارس الجمهور):تمكين الجمهور من الإبلاغ الجماعي عن المحتوى الكاذب، وتشجيع ثقافة “لا تشارك قبل أن تتأكد”. المجتمع نفسه يمكن أن يكون حارساً عندما يشعر أن الشائعة تستهدفه.
الخلاصة
نظرية تهميش حارس البوابة منحتنا حرية غير مسبوقة، لكنها سحبت منا الأمان. لقد أعطت لكل شخص ميكروفوناً، لكنها لم تعلمه متى يتكلم ومتى يصمت.إن المعركة القادمة ليست معركة حرية ضد رقابة، بل هي معركة فوضى ضد مسؤولية. فنحن لا نريد أن نكمم الأفواه، بل نريد أن نمنع تحول حرية شخص في الكذب، إلى اعتداء على حق مجتمع كامل في معرفة الحقيقة.والدولة الذكية هي التي لا تبني أسواراً حول الإنترنت، بل تبني وعياً فوقه.




