
أسامة العوض..يكتب..النار من مستصغر الشرر.. كيف يُصنع الوحش في أفريقيا؟
كل التمردات الكبرى في أفريقيا لم تبدأ كبيرة، هذه هي القاعدة التي لا يريد أحد أن يفهمها يبدأ التمرد دائماً هكذا رقعة جغرافية صغيرة، مهملة، على هامش الدولة مجموعة مسلحة صغيرة، 20 عربة، ترفع شعاراً مطلبياً بسيطاً: تهميش، مظالم، تنمية. الدولة الهشة تتجاهل، تبتسم، تجامل، تعتبره شرراً صغيراً سيطفأ وحده ثم تبدأ سنة التكاثر الأفريقية المعروفة التناسل الحركة الواحدة تلد حركتين، والحركتان تلدان أربعاً، كل منشق يريد أن يصبح رئيس حركة. ثم يأتي الدعم الخارجي. دولة جارة لها مصلحة، جهاز مخابرات يبحث عن وكيل، منظمة مشبوهة تبحث عن ذهب، أو حتى تاجر سلاح المال يصل، اللوجستيك يصل، والسلاح النوعي يصل، وهنا يتحول الخطاب من المظالم إلى الاستقطاب الأفقي لم يعد التمرد يبحث عن حق، بل يبحث عن حاضنة قبلية وإثنية. يوزع السلاح على القبيلة، ويحول القضية من قضية دولة إلى قضية هوية وفجأة، ودون أن تشعر الدولة، تجد أمامها كاسراً يستصعب عليها منعه. وحش بنى اقتصاداً موازياً، وجيشاً موازياً، وعلاقات خارجية موازية، الدولة التي كانت تستطيع أن تحسمه بفصيلة، أصبحت تحتاج إلى جيش كامل لتحسمه، وقد لا تستطيع.
النار من مستصغر الشرر، هذه هي الخلاصة وهذا يقودنا إلى مربط الفرس ما يسمى بالتعدين العشوائي دعونا نكون صريحين ومنطقيين، لا يوجد في علم الدول شيء اسمه “تعدين عشوائي”. هذه كلمة اخترعناها في السودان لتجميل الفوضى كلمة “عشوائي” تعني في القانون والمنطق فوضوي، بلا ضوابط، بلا سيادة، بلا أمن، بلا بيئة، بلا ضرائب التعدين العشوائي هو الدولة الفوضوية نفسها انظر إلى مصر التي نستشهد بها، مصر ليست كما هو موجود لدينا، في مصر لا يوجد متر مربع واحد خارج سيطرة الدولة، لا يوجد حفرة ذهب يحرسها مسلح قبلي، الذهب في مصر ثروة قومية استراتيجية يحرسها الجيش، وتديره الدولة. لأنه يعرف أن ترك الذهب في الصحراء بيد المليشيات هو بداية صناعة وحش جديد ولكن ضرب التعدين العشوائي بالطيران الحربي مسألة فعلاً صعبة ومعقدة. لماذا؟ لأن الفوضى تمددت، لم يعد التعدين مجرد حفرة، أصبح مدينة كاملة فيها 50 ألف مواطن سوداني بسيط يبحث عن لقمة عيش، اختلط الحابل بالنابل، اختلط البريء بالمجرم، والمواطن بالمتمرد. هنا تكمن صعوبة القرار العسكري والأخلاقي.
وهنا بيت القصيد مصر ترى ما لا نراه مصر عندما تتحدث عن تأمين حدودها، هي لا تتحدث عن تهريب جملين، هي ترى الخارطة الكبرى، ترى أن استمرار الفوضى التعدينية على حدودها يعني بالضرورة ولادة حركات مسلحة جديدة، بتمويل ذاتي من الذهب، بلا حاجة لدعم خارجي، ستكون أخطر من كل الحركات التي عرفناها مصر تطبق نظرية *الأمن الوقائي اقتل الشرر قبل أن يصبح ناراًأما نحن في السودان، فقد جاملنا كثيراً حتى دفعنا الثمن غالياً.*حميدتي لم يبدأ جنرالاً. حميدتي بدأ من خلال فوضى عارمة غير منتبه لها، في دولة هشة تجامل أكثر من أن تكون صارمة، بدأ كتاجر إبل يحمي قافلة، ثم حارس لمنجم ذهب عشوائي، ثم وجد المال، فاشترى السلاح، فاستقطب القبيلة، فتلقى الدعم الخارجي، فتحول من شرر صغير إلى نار كادت أن تحرق كل السودان التاريخ يعيد نفسه الآن في مناطق أخرى، بنفس السيناريو، بنفس التسامح مع الفوضى، بنفس كلمة “عشوائي” التي نضحك بها على أنفسنا الدولة التي لا تفرض هيبتها على متر ذهب، لن تستطيع أن تفرض هيبتها على متر من تراب الوطن بعد خمس سنوات على الدولة السودانية أن تراجع مسألة التعدين العشوائي ، وتضع له ضوابط حاكمة ومنظمة قانونياً ، لا أن تجعله مهملا ، كما مسماه عشوائياً قضية المعدنيين لفتت الجميع إلى فكرة ( الفأس قبل أن تقع في الرأس ) ، لذا يرجى الإنتباه أكثر وأكثر واللبيب بالإشارة يفهم




