
علي يوسف تبيدي. يكتب..هيثم محمد إبراهيم .. قيادة الصحة في زمن الحرب واستحقاق التكريم
لم تكن إدارة القطاع الصحي في السودان ، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م ، مهمة عادية يمكن قياسها بالمؤشرات التقليدية للأداء ، بل تحولت إلى اختبار يومي لقدرة المؤسسات والقيادات على الصمود في وجه الانهيار ، والمحافظة على الحد الأدنى من الخدمات الطبية في بلد أنهكت الحرب بنيته التحتية ، وأثقلت كاهل مواطنيه بالأزمات الإنسانية والمعيشية ، وفي خضم هذه الظروف ، برزت مسؤولية وزارة الصحة الاتحادية في حماية ما تبقى من النظام الصحي ، والعمل على استعادة قدرته على تقديم الخدمات
و يأتي تكريم وزير الصحة الاتحادي ، بروفيسور هيثم محمد إبراهيم ، من قبل مؤتمر «ميدغلوبال» لعام 2026م في مدينة شيكاغو الأمريكية ، بمنحه جائزة القيادة في الصحة العالمية ، تقديراً لجهوده وجهود فريقه والكوادر الصحية السودانية في المحافظة على استمرارية النظام الصحي رغم الحرب والتحديات وهو تكريم في تقديري يسلط الضوء على جانب مهم من معركة السودان التي لا تقتصر على الميدان العسكري ، بل تمتد إلى المستشفيات ومراكز العلاج ، حيث تتواصل الجهود لإنقاذ الأرواح ومواجهة الأوبئة وتوفير الدواء
لقد فرضت الحرب على القطاع الصحي واقعاً بالغ التعقيد ، مع تضرر المرافق الطبية وخروج عدد منها عن الخدمة ، ونقص الأدوية والمعدات والإمدادات ، فضلاً عن الضغوط المتزايدة على الكوادر الطبية التي ظلت تعمل في ظروف استثنائية ، وفي ظل هذا المشهد ، تكتسب استمرارية العمل في المؤسسات الصحية أهمية مضاعفة ، باعتبارها ضرورة لحماية حياة المواطنين ، وليست مجرد واجب إداري
وهنا تبرز أهمية جهود الوزير في مواصلة إدارة القطاع خلال هذه المرحلة ، والعمل على تأهيل وصيانة المستشفيات والمراكز الصحية ، ودعم جهود إعادة إعمار المرافق المتضررة ، وتوفير المعدات الطبية والكوادر الصحية ، إلى جانب السعي لتأمين الأدوية وتعزيز التنسيق مع المنظمات الوطنية والدولية لتعبئة الدعم اللازم للاستجابة للاحتياجات المتزايدة ولم تكن مواجهة الأوبئة أقل تعقيداً من بقية التحديات ، إذ فرض انتشار الكوليرا وحمى الضنك ضرورة تعزيز الاستجابة الصحية وتنسيق الجهود للحد من المخاطر التي تهدد حياة المواطنين وفي مثل هذه الظروف ، يصبح التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية والكوادر الصحية عاملاً أساسياً في الحد من آثار الأزمات الصحية ، وتقوية قدرة النظام الصحي على التعامل معها ،
كما أن الانفتاح على التعاون الدولي ، من خلال المشاركة في المؤتمرات وورش العمل والتواصل مع نظراء السودان في الدول الأخرى ، يمثل مساراً مهماً لحشد الدعم وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب في إعادة بناء المؤسسات الصحية ، فالأزمة السودانية ، بحجمها وتعقيدات ها ، تتطلب شراكات واسعة لا تقتصر على توفير الإمدادات العاجلة ، بل تمتد إلى إعادة التأهيل وبناء القدرات وتعزيز استدامة الخدمات الطبية ومع ذلك ، فإن الإنصاف في تقييم تجربة إدارة القطاع الصحي يقتضي التمييز بين الجهود المبذولة والنتائج التي لا تزال بحاجة إلى قياس وتوثيق.
فالتحديات الصحية في السودان ما زالت كبيرة ، والتعافي لا يُقاس بالتصريحات أو المشاركات الخارجية وحدها ، وإنما بمدى عودة المستشفيات إلى العمل ، وتحسن الحصول على العلاج ، وتوفر الأدوية، ووصول الخدمات إلى المواطنين في مختلف الولايات ، خصوصاً المناطق الأكثر تضرراً من الحرب ومن هنا ، فإن جائزة القيادة في الصحة العالمية تمثل فرصة لتسليط الضوء على الجهود التي بُذلت في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها السودان ، كما تضع مسؤولية مواصلة العمل وتعزيز الإنجازات في صدارة الأولويات.
فالتكريم ، في جوهره ، ليس نهاية الطريق، وإنما حافز لمضاعفة الجهود وتحويل ما تحقق من خطوات إلى تعافٍ ملموس يشعر به المواطن في المستشفى ومركز العلاج والصيدلية ولا يمكن الحديث عن صمود القطاع الصحي دون الإشارة إلى الدور المحوري للأطباء والممرضين والصيادلة والفنيين والإداريين ، الذين واصل كثير منهم أداء واجبهم في ظروف بالغة الصعوبة ، إلى جانب المنظمات الوطنية والدولية التي أسهمت في دعم الخدمات الصحية. ومن ثم ، فإن قيمة التكريم تتجاوز شخص الوزير لتشمل منظومة واسعة من العاملين والشركاء الذين تحملوا أعباء الأزمة، وكانوا جزءاً من جهود الحفاظ على استمرار الخدمات.
إن تكريم بروفيسور هيثم محمد إبراهيم يمثل ، في هذا السياق ، تقديراً لجهود إدارة القطاع الصحي خلال الحرب ، ورسالة بأهمية استمرار الدعم الدولي للمنظومة الصحية السودانية ، غير أن الاستحقاق الحقيقي لهذا التقدير يكتمل بمواصلة إصلاح المؤسسات الصحية ، ومعالجة أوجه القصور ، وتوسيع نطاق الخدمات، وضمان ألا تتحول فرص العلاج إلى امتياز يصعب الوصول إليه بسبب الحرب أو الفقر أو البعد الجغرافي.
فالسودان الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى مستشفيات تستعيد عافيتها ، ودواء متاح بأسعار معقولة، وكوادر تعمل في بيئة تحفظ كرامتها وقدرتها على العطاء، وتلك هي المعركة التي ينبغي أن تتواصل بعد التكريم ، حتى يصبح التعافي الصحي واقعاً يلمسه المواطنون ، وتتحول الجهود المبذولة إلى أساس متين لإعادة بناء النظام الصحي في البلاد.




