
(كاني ماني)يحيى البحاري يكتب..الإبداع وعيون الآخرين
من أكبر المشكلات التي تواجه العمل الإبداعي في السودان وفي مختلف مجالاته، هي معضلة الممارسة النقدية. إذ يغيب النقد الجاد القادر على تطوير التجارب وتقويمها. لقد تحولت كثير من المنابر الإبداعية إلى ساحات للمجاملات المتبادلة، حيث يُقابل أي عمل بالتصفيق والإشادة، بغض النظر عن مستواه الحقيقي.
وهذا ما أسميه التصفيق (الأشتر) الذي يظلم الإبداع وصنّاعه. أصبح بعض المبدعين يبحثون عن عبارات الإطراء أكثر من بحثهم عن الملاحظات التي تساعدهم على تجنب الأخطاء. وهنا تكمن المشكلة، فالإبداع الذي لا يعرف الحقائق ولا يتقبلها يصعب عليه التطور، وإذا لم يجد المبدع النقد والتقويم سيظل حبيس مرحلة بدايته. لا يهدف النقد إلى تحطيم المبدع أو الانتقاص من موهبته. فهو ضرورة للإبداع – منه وإليه. وهو إحدى مراحل النمو الطبيعية التي ترافقه في كل الأوقات. التجارب الإبداعية الكبرى في العالم نمت وسط بيئات نقدية صارمة لا تعرف المجاملة أو الانحياز. تقول الأستاذة فاطمة العلوي: “إن المجاملة هي رصاصة تقتل الإبداع” وحينما يغيب النقد فإن الابتذال سيجد طريقه إلى
الواجهة، و سيختلط العمل المتميز بالعمل الضعيف، ولهذا حتما سيفقد المتلقي قدرة التمييز. ومن المؤسف أن كثيرا من الآراء في واقعنا تتحول إلى هجوم شخصي أو تصفية حسابات، بينما يختفي النقد الموضوعي القائم على المعرفة والتحليل. وبين المجاملة والعداء الشخصي يضيع العمل الإبداعي.
إن المبدع السوداني في حاجة إلى ناقد صادق مختص، أكثر من حاجته إلى مئات المصفقين. فالتصفيق يمنح حالة الرضا لفترة موقتة، أما النقد الموضوعي فإنه يمنح الارتقاء والتطوير. وإذا أراد المبدع أن يستعيد مكانته، فعليه أن يتصالح مع النقد، وأن يدرك المبدع الذي يخشى النقد أن موهبته محكوم عليها بالفشل. ولهذا نقول جهرا: لا يكتمل الإبداع إلا من خلال عيون الآخرين.




