اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..وقف العلاج بالموانئ البحرية.. قرار إداري أم تراجع عن الواجب الإنساني؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..وقف العلاج بالموانئ البحرية.. قرار إداري أم تراجع عن الواجب الإنساني؟

 

لم يكن قرار إيقاف علاج المرضى من غير العاملين بهيئة الموانئ البحرية قراراً عادياً يمكن المرور عليه دون توقف، بل جاء ليثير موجة واسعة من التساؤلات حول مستقبل الدور الاجتماعي والإنساني الذي ظلت تضطلع به الهيئة لسنوات طويلة. فقد اعتاد كثير من المرضى من أصحاب الدخل المحدود على الاستفادة من برامج العلاج التي كانت تمول عبر بند المسؤولية المجتمعية، بعد أن أصبحت تكاليف العلاج فوق طاقة معظم الأسر السودانية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. ويقول متابعون إن المستفيدين من تلك الخدمات لم يكونوا من أصحاب النفوذ أو الامتيازات، وإنما من المرضى والفقراء الذين وجدوا في الهيئة ملاذاً أخيراً بعد أن أغلقت في وجوههم معظم أبواب العلاج. وقد قوبل القرار بحالة من السخط والاستياء وسط قطاعات واسعة من المواطنين الذين اعتبروا أن إيقاف العلاج يمثل تراجعاً عن أحد أهم أوجه الدعم الإنساني الذي كانت تقدمه الهيئة للمجتمع.

ومن أكثر الجوانب التي أثارت النقاش أن بعض المستفيدين من برامج العلاج كانوا من المصابين والمتضررين من مناطق العمليات العسكرية الذين تم التكفل بعلاجهم خلال الفترات الماضية تقديراً لما قدموه من تضحيات في ظروف استثنائية. ويطرح هذا الواقع سؤالاً مشروعاً: هل أصبحت الاعتبارات المالية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية في مؤسسة ظلت تعرف بدورها الوطني والاجتماعي؟ ولم تتوقف تداعيات القرار عند المرضى من خارج الهيئة، بل امتدت إلى العاملين أنفسهم الذين كانوا يتمتعون بمظلة علاجية شاملة داخل السودان وخارجه. وتشير المعلومات المتداولة وسط العاملين إلى أن الهيئة كانت في السابق تتكفل بنفقات العلاج الخارجي بصورة متكاملة تشمل تكاليف السفر والإقامة والإعاشة والمتابعة الطبية.

أما اليوم، فإن كثيراً من العاملين يتحدثون عن تقليص واضح في هذه المزايا والاكتفاء بمساهمات مالية محدودة لا تتناسب بحسب آرائهم مع الاحتياجات العلاجية الفعلية للمرضى.ومن حق أي إدارة أن تسعى إلى ضبط الإنفاق وترشيد الموارد، لكن من حق العاملين والمواطنين كذلك أن يتساءلوا عن أسباب أن يكون ملف العلاج هو أول الملفات التي تطالها إجراءات التقليص. فالعلاج ليس بنداً ترفيهياً يمكن الاستغناء عنه، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بحياة الإنسان وكرامته وحقه في الحصول على الرعاية الصحية المناسبةكما أن قيمة المؤسسات الكبرى لا تقاس فقط بحجم أصولها وإيراداتها، وإنما كذلك بمدى انعكاس هذه الموارد على حياة الناس وخدمة المجتمع.

وتُعد هيئة الموانئ البحرية واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية في السودان، إذ تمثل شرياناً حيوياً لحركة الصادرات والواردات ومصدراً مهماً للإيرادات العامة.ولذلك يرى كثيرون أن المحافظة على برامج العلاج والرعاية الصحية لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها عبئاً مالياً، بل استثماراً في الإنسان وفي السمعة المؤسسية للهيئة. كما أن فلسفة المسؤولية المجتمعية تقوم أساساً على الوقوف إلى جانب الفئات الأكثر احتياجاً، خصوصاً في أوقات الأزمات الاقتصادية والإنسانية. وفي المقابل، لا يمكن إغفال الجهود التي ظلت تبذلها لجنة الرعاية الصحية بالهيئة في متابعة الحالات المرضية وتقديم التسهيلات اللازمة للمستفيدين من خدمات العلاج.

وقد حظيت تلك الجهود بإشادة واسعة من المرضى والعاملين الذين لمسوا آثارها بصورة مباشرة خلال السنوات الماضية. إلا أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في كيفية المحافظة على هذه المكتسبات وعدم السماح بتراجعها تحت أي مبررات إدارية أو مالية. فالمؤسسات العظيمة تُعرف في أوقات الشدة بمدى قدرتها على حماية الإنسان قبل الأرقام، وعلى صون الكرامة قبل الموازنات. ويبقى السؤال الذي ينتظر كثيرون الإجابة عليه: هل ستعيد هيئة الموانئ البحرية النظر في سياسات العلاج الحالية بما يحقق التوازن بين ترشيد الإنفاق والوفاء بمسؤولياتها الإنسانية تجاه المرضى والعاملين، أم أن صفحة من صفحات الدعم الاجتماعي ستطوى إلى غير رجعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى