اعمدة ومقالات الرأى

(رياح ورماح  )مُحمّد قُور حامِد  ..يكتب..من ثديٍ مسرطن إلى حربٍ عمياء: تشريح العقل المركزي.

الخرطوم: الرسالة نيوز

(رياح ورماح  )مُحمّد قُور حامِد  ..يكتب..من ثديٍ مسرطن إلى حربٍ عمياء: تشريح العقل المركزي.

 

لم أجد ما هو مثيراً للأسف والشفقة من عاصمتنا الخرطوم، التي ظلت عبر حكوماتها المتعاقبة ومنذ بواكير استقلال بلادنا، تتعامل مع السودان الكبير بعقلية “المركز والهامش”، لا بعقلية “الأب والوطن”. عقلٌ مركزي واحد، يرى في اتساع الجغرافيا تهديداً لا نعمة، وفي تنوع البشر خطراً لا ثراءً. فاختزل الدولة كلها في شارع النيل، واختزل المواطنة كلها في “بطاقة عاصمة”.

وظل المركز يطعم الأطراف من ثديه سبعين عاماً، لكنه ثديٌ مسرطن. رضّعهم بالوعود، وأسكتهم بالمحاصصة، وخدّرهم بشعارات “الوحدة” وهو يفرّغ جيوبهم من الثروة.

حين كبرت الأجساد في دارفور وكردفان والشرق والجنوب، اكتشفت أنها تشرب سماً لا لبناً. فكان لا بد من “الفطام”. لكن المركز لا يعرف الفطام التدريجي، ولا يعرف إلا انتزاع الطفل من الثدي بالقوة.

فكانت “الفطامة” حركات متمردة في الجبال والوديان، وكيانات مطالبية ترفع السلاح لأن البيان لم يُسمع، والمذكرة لم تُقرأ. كل تمرد كان في أصله صرخة رضيع: “أريد نصيبي من الحليب الذي أُنتجه بيدي”.

سبعون عاماً من الإهمال المنهجي، من خطابٍ نخبوي جهوي يرى في الآخر “هامشاً” و”زنوجاً” و”عرب شتات”. سبعون عاماً من تقسيم السودانيين إلى “أصل” و”فرع”، إلى “مركز” و”هامش”.

هذا التراكم لم ينتج وطناً، بل أنتج قنبلة موقوتة. وحين انفجرت، لم تنفجر في قاعة البرلمان.. انفجرت في مدننا وقرانا. فتأسس خطابٌ نخبويٌ جهويٌ مضاد، وضع البلاد في حالة حربٍ سيئة، لا غالب فيها إلا الخراب، ولا منتصر فيها إلا المقابر.

لم تكن مشكلة السودان في اتساع مساحته، بل في ضيق عقل من يحكمه. لم تكن مشكلته في تنوع أهله، فـ “لا شمال بلا غرب ولا غرب بلا شمال”، بل في عقلٍ واحدٍ أراد أن يصبّ الجميع في قالبٍ واحد.

فطالما ظل العقل المركزي يرى نفسه “الدولة” ويرى الآخرين “رعايا”، فستظل “الحركات المتمردة” للأسف.. تتكاثر، وستظل “الحرب السيئة” هي المصير.

العقل المركزي لن يموت برصاصة، بل سيموت اختناقاً. سيختنق حين يكتشف أن الخرائط التي رسمها بالمسطرة لا تساوي شبراً في قلوب من همّشهم. سيموت حين يفهم أن “الوحدة” التي تُفرض بالدبابة هي قبرٌ مؤقت، لا وطنٌ دائم.

الموت الحقي للعقل المركزي يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها عن قول “أنا الدولة” ويبدأ في قول “نحن السودان”. وإن لم يفعلها طواعية، فعلها التاريخ غصباً.. ولو بعد حين.لا للحرب، نعم للسلام.. لا لاختزال التاريخ وطي الجغرافيا. نعم لشمال تنداح في صحرائه خيرات الغرب. ونعم لغرب تتطاول في فيافيه باذخات النخيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى