اعمدة ومقالات الرأى

عزالدين دهب يكتب.. حول انقطاع شبكات الاتصالات ايام بلا شبكة … العودة الى الجذور

الخرطوم| الرسالة نيوز

عندما عادت بنا عقارب الساعة الى عهود الظلام وفجاة وجدنا انفسنا من سكان العهود القديمة بلا شبكات اتصال وفى سبيل الخروج من خالة القلق والاحباط وعدم معرفة مايدور داخل وطننا الحبيب وانقطع الاتصال بالارحام وبالاهل والمعارف والاصدقاء والزملاء ..لم نجد اي شيئ غير العودة الى بدائل تنسينا هذه الحالة كانت العودة الى عمق الثقافة السودانية وتذكار زمن أشرطة الكاسيت وذكريات منصفون واستريو سارة بالصافية واستديو طبع الزمن بنيالا شارع البلدية وكندورة وعيسي مدلل وحفلات قاعة الصداقة ومعرض الخرطوم الدولى والاستماع إلى الاغنيات السودانية المعتقة .

منذ أن انقطعت شبكات الاتصالات ونعي الناعي خروجها عن الخدمة وتحولت جميع الهواتف الذكية الى اجهزة بلا لون ولا طعم واتقطع الاتصال عن الاهل والعشيرة والاحباب غابت اخبار (البل) و(الجغم) وكل الفيديوهات التى تزيد حدة التوتر والاستقطاب اختفت اخبار الموت والاعراس واعياد الميلاد تحولت الهواتف الى اجهزة تستخدم لضبط الوقت والمتبه والحاسب الال حيانا .

لم نتعايش مع هذا الوضع الغريب نهضت وحملت هاتفى فكان اليوم الأول استرجاع للرسائل فى المجموعات المختلفة.انتهت تلك الجولة وتعمقت في أحشاء هاتفي فكنت آمل أن أجد ملفات موسيقي لكن لم أجد اي شيئ الا شوية العاب لصديقي توم المحاور وبعض العاب الباكي مون وألعاب أطفال يتسلى بها ابنائي في لحظة استراحتي.

فقلت دي قصة ماجايبة حقها فحملت هاتفي وتوجهت الى أماكن صيانة وبيع وشراء الموبايلات فوجدتهم محتارين بلا عمل لان عملهم يزدهر في وجود شبكات الاتصالات فجلست جوار احدهم وهمست في اذنه قلت له (عمك عايز تنزل ليهو اغاني) قال عايز ياتو فنان ايمان الشريف ولا ندي القلعة ولا ودوبا ولا عاشة الجبل ولا مروة الدولية !!! قلت ليهو ديل كلهم ما بنفعو معاي انا عايز ودالامين وحمد الريح وزيدان ابراهيم ووردي والاستاذ عبدالكريم الكابلي طبعا الجنا عاين لي وابتسم ابتسامة ساخرة …المهم انا سردبتا وعملت رايح المهم نزلت الاغاني .

واديتو الفيها النصيب واشتريت لي سماعة وطوالى دخلت في الغريق لحسن حظي اول اغنية كانت ذات الشجون للعملاق محمد الأمين(ود الامين) واعقبتها برايعة فضل الله محمد الحب والظروف (قلنا ما ممكن تسافر ) والموعد استمتعت بمزاج للتطريب العالى لمجموعة من الاغنيات أعادت بي الى سنوات طويلة عندما كنا في الثانوي ورحلات الأصدقاء وجلسات السمر في رمال مدينة برام في انصاص الليالي .

الأغانى ذكرتني باصدقاء كثر منهم علي سبيل المثال عماد عيسي محمد عباس البشاري ود قبو واستاذ الكبور وعبدالرحيم ابو نورة وجدو شروفة والسر على عزو واسحاق جاكو ومحمدين ترنقا والفاضل ابراهيم وأشرف عامر وصبري عيسي ويوسف شوتو رد الله غربتهم جميعا كلهم تفرقوا ايدي سبأ كل منهم في بلد انتهت ذاد الشجون فكانت الأغنية التالية ليه كل العذاب وليه كل الألم للعندليب الاسمر زيدان ابراهيم ودي كمان ذكرتني علي الحطابي ومعتصم اكيج وصبري عيسي وعلم الدين حسن عثمان وحفلات الإذاعة السودانية في الأعياد كنا زبائن في حفلة تاني ايام العيد النهارية للرائع زيدان ابراهيم والاستماع إلى زيدان عاد بي الى تلك الرحلات الفنية التى كان ينظمها اتحاد الفنانين الى مدن السودان المختلفة تذكرت تلك الحفلة ونحن تلاميذ في الابتدائية عندما حضرنا حفلة للفنان زيدان ابراهيم والجابري وحنان بلوبلو والامين عبدالغفار في مسرح المدرسة المزدوجة بنات وتفاعلنا مع أغنياته (هانت الأيام عليك وليلة فرح وقصر الشوق وغرام الروح) .

وانا اواصل في الاستماع فإذا بين الاغنيات اغنية للراحل الأمين عبدالغفار ناس معذتنا الما بنريد غيرهم رحلو خلونا …الأغنية دي بالذات نقلتنني الى سينماء نيالا وتلك الليلة الفنية الرائعة رفقة الأصدقاء خالد رخروخ وقبو وودمنصور كان الأمين عبدالغفار نجم الحفلة الذى سطع في سماء نيالا البحير نسأل الله لها التعافي والامن والأمان والاستقرار

وانا اواصل في الاستماع فكان الاستاذ الكابلي يعود بي الى مروى وناس القوز علينا ظلم الشال سيدة وخلى حرم ويا حلة تنوري وكانت المفاجأة في رائعة تاج السر الحسن اسيا وأفريقيا و(عندما اعزف ياقلبى الاناشيد القديمة ويطل الفجر فى قلبي علي أجنحة غيمة ساغنى اخر المقطع للارض الحميمة للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو)…تلك الأغنية التى انشدت في مؤتمر بإندونق. وجسدت لمشروع تحرر ثقافي سياسي وتكامل اقتصادي بين افريقيا واسيا .

الاستماع إلى كابلى بعد سنوات من التيه الثقافي أعاد بي الى قضية فلسطين الجريحة وهي الأخري تعيش في نكبة استمرت طويلا كان الكابلي قد تغني بدمي سأكتب فوق أرضك يافلسطين اسلمي واموت يايافا شهيد الوعد واسمك في فمى …كانت تلك الأغنية حاضرة في مسارح أعياد الاستغلال بمدينة برام ويتغني بها تلاميذ المدارس كنوع من التضامن الإنساني النبيل مع القضية الفلسطينية وانا اجوس خلال الاغنيات استرحت مع المبدع الراحل المقيم حمد الريح ونحن راجعين في المغيرب وشقي الأيام واحتسيت خمر بنت باخوس النقي مع مريا …وازميل فدياس .

إتاح لنا انقطاع الشبكة السفر مع محمد وردي الى مدينة واو في ستينيات القرن الماضي والاستماع إلى رائعته مافي داعى تقولي مافي التى كتبها له الشاعر الاستاذ محمد عثمان كجراي في مدينة واو والاستماع إلى رائعة محمد علي ابوقطاطي امش قول ليهو يا المرسال …واغنيات بايقاعات نوبية كانت قمة الروعة والابداع ..لم تقف الدهشة عند هذا الحد بل عثرت علي اغنية تجسد واقعنا في كلمات رائعة تغني بها كمال ترباس في طبيعة الدنيا زي الموج تجيب وتودي ماتهتمو للايام …لكن اجراس العودة بصوت الراحل مصطفي سيد أحمد وكانها تخاطب حالنا الماثل حول عودتنا التى تأخرت على الرغم من انها لم تكن من درب رام الله او من جبل الزيتون لكنهم ياتون كالمن والسلوي من السماء من جماجم الأطفال من اساور النساء.

وتتواصل روائع الاغنيات بالاستماع الى رحلة طويل مع محمود تاور كانت فيها مجدافي انكسر واحترت كيف للبر أعود..عندما اكتشف ان الريد كانت خداع ولزة كلام بس في الوعود ….تاور صاحب حنجرة وأداء من طراز فريد من ذاك الجيل المبدع من الفنانيين السودانيين الذين دعموا مكتبة الاغاني السودانية باغنيات ستظل محفورة في وجدان السودانيين .

ياقوم انقطاع الشبكة رغم مافيه من خسائر كبري في تعطيل الحياة وتوقف البنوك والمعاملات التجارية واصاب الحياة بشلل تام الا انها كانت فرصة للعودة الى تلك الملاحم الفنية الخالدة لذاك الجيل المتفرد من الفنانيين الذين اثرو الساحة الفنية باعمال رائعة كلمات والحان وأداء وتوزيع موسيقي والاستمتاع باوتار المندلين مع النور الجيلانى وصوت الفلوت مع رائعة اللحو مادام نسي العشرة واختار سوانا جبيب وايقاع الحسيس والفرنقبية والحراري والمردوم مع ملك المردوم عبدالقادر سالم وعمر احساس وانصاف فتحي والاشتياقالى قطر نيالا رائعة الفنان احمد شارف (،الزول ماعندو زوق) كانت لحظات خلود واسترخاء ممزوحة بين الخوف والحزن على الحال السوداني واحظات استرجاع ذكريات تتخللها الدموع التى تتسرب دون استئذان .

قبل أن تدخل البلاد في حالة الجمود السياسي والفني وترفع من شأن القونات صاحبات الموسيقي الصاخبة او ماعرفت بموسيقي الزنق …لذلك هذه دعوة للعودة الى الجذور. ومراجعة ارثنا الفني لنكتشف اننا نمتلك نمتلك إرث فني وثقافي يحق لنا أن نفتخر به رغم الاحباط.وظروف الحرب

اطمأن الجميع انا بخير وعافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى