اعمدة ومقالات الرأى

كاني ماني.. يحيى البحاري يكتب..الفنان الصديق عباس.. الغناء الذي بقى في الذاكرة

الخرطوم: الرسالة نيوز

كاني ماني.. يحيى البحاري يكتب..الفنان الصديق عباس.. الغناء الذي بقى في الذاكرة

في زمن يعلو فيه الضجيج أكثر مما يعلو المعنى، يظل اسم الفنان الراحل الصديق عباس مرتبطا بنوع بديع من الغناء، غناء هادئ، متزن، لا يطرق الإحساس وحسب، لكنه يدخل إلى القلوب بثقة.

“أدق الباب يجو الأحباب أشوفهم واتهنّى” تغنّى في فترة إقامته على أرض (ليبيا) برائعته “عبر الأثير بكتب سطور لست هواي ورسلها.. تلقاها من مخلص عزيز تنزل دموعها تبللها، تقراها لآخر حرف تبداها تاني من أولها”. فهو من الفنانين الذين صنعوا حضورهم عبر الإحساس الصادق والموهبة الفطرية التي تشربت الحنين من بوادي كردفان، مدينة (النهود) حيث النشأة والمولد. الصديق عباس، وهو يغني، يطوف بنا عبر ربوع كردفان، تكاد أن تشم رائحة الأرض وتنثر يداك رمالها. أو كأنما أنت تقف هناك تلتقط صورة (سلفي) تحت ظلال أشجار التبلدي. وحينما يغني تزهو الطبيعة و رونقها (مطر الرشاش) و (ضي الرتينة). فهو

يحدثنا أيضا عن مآسي الغربة وتداعياتها “حليلي الغربة قساية أبت ما تبقى رضاية” صوته يحمل إحساسا صادقا يعبر عن تجربته مع الإغتراب. فقد تكبد مرارة الشوق والحنين إلى الحبيبة والبلد وناسها. “يا مسافر بعيد بعيد غاب ساب الحبايب وين ليلتنا ديلك ودنيا الريد عجائب”. أداؤه جعل أغنياته تعانق الناس أملا و وعدا باللقاء، فهي كلمات تشبه جلساتهم والحنين إلى بيوتهم. يشعرك بأنه يمتلك إلى جانب السهل الممتنع.. صدق اللحظة التي تولد فيها ألحانه. “اتلموا يا كباري شاوروا الرمالي يشوف الخيرة مالي أتحيرت أفكاري في أجمل الحواري” اختياراته عكست بعدا فنيا

مغايرا انحاز للبيئة، فلم تخذله و عرف بموهبته كيف يدوّزنها. فهو معلم الجغرافيا وخبير السلم الموسيقي، معرفة وثقافة. ورائعته “نحن حالنا كده إنتو حالكم كيف” كانت تهمس بأنه فنان الوطن الواحد، الشامل، المتكامل.. رحل الفنان الصديق عباس، لكن غيابه كشف حجم حضوره. فبعض الفنانين لا تُقاس قيمتهم بالظهور، بل بقدرتهم على البقاء في الوجدان. والصديق عباس واحد من أولئك الذين رحلوا عن الفانية، لكن صوته ظل شاهدا على أن الغناء الصادق لا يشيخ ولا يرحل. ولهذا نقول جهرا: تعال نحلم، تعال نحلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى