
ما تزال أزمة حظر الأوراق الثبوتية واحدة من أخطر الملفات الصامتة التي تُدار في الظل، دون حلول جذرية، ودون أدنى اعتبار لمعاناة مواطنٍ بات محاصراً في هويته قبل أن يُحاصر في لقمة عيشه.معاناة المواطنين لم تتوقف عند حد، بل تتفاقم يوماً بعد يوم، مع استمرار حظر الأوراق الثبوتية من قبل جهات وسلطات متعددة، في مشهد يعكس فوضى القرار وغياب الدولة الرشيدة.
المواطنون الذين يترددون على المكاتب التي حُظرت أوراقهم الثبوتية يواجهون أبواباً موصدة، وإجابات ضبابية، ووعوداً مؤجلة، دون أن يلوح في الأفق أي حل حقيقي.الأخطر أن هذه الأزمة استمرت رغم التوجيهات الصريحة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القاضية بإزالة الحظر ومنح المواطنين أوراقهم الثبوتية.توجيهات سيادية واضحة، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وكأن هناك من يصر على تعطيل القرار الأعلى في الدولة.
حتى في الحالات التي توجد فيها إجراءات قانونية أو بلاغات، فإن القانون لا يبرر مصادرة الحقوق الأساسية، بل ينظمها ويكفلها، ولا يحول المواطن إلى مدان قبل محاكمة.رئيس هيئة السجل المدني والجوازات، الفريق شرطة عثمان دينكاوي، الذي يُنفذ الحظر عبر منسوبيه في المطارات والمنافذ البرية والبحرية، يواصل إطلاق الوعود بقرب الحل.
وعود متكررة تُستهلك إعلامياً، دون أن تُترجم إلى أفعال، بينما تظل الأزمة قائمة، وتزداد تعقيداً.ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً: إذا كان بعض المحظورين مطلوبين قانونياً، فما ذنب الأطفال الرضع الذين يُحرمون من أوراقهم الثبوتية قبل أن يعرفوا معنى الدولة أو القانون؟أي عدالة هذه التي تعاقب الرضيع، وتُسقط عنه حقه في الهوية والجنسية؟المشهد يكشف بوضوح غياب التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية بملف الحظر، وكأن كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى، دون مرجعية موحدة أو رؤية وطنية.
هذا التشتت الإداري حوّل الملف إلى كرة نار تتقاذفها المؤسسات، بينما يدفع المواطن وحده الثمن.والأدهى من ذلك ما يتعرض له السودانيون من أصول سودانية وحاملي الجوازات الأجنبية، رغم امتلاكهم أرقاماً وطنية سودانية.هؤلاء يُعاملون كأجانب في وطنهم، ويُجبرون على دفع الرسوم بالدولار في المطارات، في سابقة مهينة للانتماء والمواطنة.
بل إن بعضهم يُمنع من دخول السودان حتى تنقضي إجازته، في مشهد لا يليق بدولة تحترم أبناءها في الداخل والخارج.
حظر الأرقام الوطنية أصبح كابوساً دائماً، وعبئاً نفسياً واجتماعياً على المتضررين الذين يترددون على مكتب السجل المدني ببورتسودان بلا جدوى.لا تفسير يُقدَّم، ولا سبب يُعلن، ولا جهة تتحمل المسؤولية، فقط دوران في حلقة مفرغة.
المواطن السوداني، في ظل هذا الواقع، لا يتمتع بالحقوق التي كفلها له الدستور، وعلى رأسها الحق في امتلاك أوراقه الثبوتية دون تعسف أو إذلال.الدستور يُعلّق عملياً، وتُدار الدولة بالاستثناء، لا بالقانون.هذا التضييق الممنهج والتشدد غير المبرر في إجراءات رفع الحظر فتح الباب واسعاً أمام الفساد والمفسدين.
فحين تُعقّد الإجراءات، وتُغلق المسارات القانونية، تنشط السمسرة، وتُخلق سوق سوداء للحقوق.استغل الفاسدون هذا الواقع المختل، ونفذوا من بوابة التعقيد الإداري، مدعومين بغياب الرقابة وضعف المحاسبة.ولو كانت الإجراءات شفافة وسلسة، لما وجد الفساد موطئ قدم، ولما تحول حق المواطنة إلى سلعة.
إن ما يجري ليس مجرد خلل إداري عابر، بل جريمة إدارية مكتملة الأركان، تُدار بالوعود، وتُغذّي الفساد، وتضرب الثقة في مؤسسات الدولة.استمرار هذا الوضع يهدد السلم الاجتماعي، ويقوض مفهوم المواطنة، ويدفع الناس إلى فقدان الإيمان بالعدالة.
وعلى الدولة، إن أرادت استعادة هيبتها، أن تحسم هذا الملف فوراً، بقرارات واضحة، وتنفيذ صارم، ومحاسبة لا تستثني أحداً.فالهويّة ليست منّة من سلطة، بل حق أصيل، ومن يصادرها إنما يحاصر الدولة نفسها قبل أن يحاصر مواطنيها.




