اعمدة ومقالات الرأى

محيي الدين شجر..يكتب ..قصة من العدم: كيف صُنعت كذبة “مؤتمر برلين” لتشويه الهلال الأحمر السوداني؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

محيي الدين شجر..يكتب ..قصة من العدم: كيف صُنعت كذبة “مؤتمر برلين” لتشويه الهلال الأحمر السوداني؟

 

في زمن تختلط فيه الحقائق بالشائعات، وتُصنع فيه الروايات على عجل لتخدم أغراضاً بعينها، خرج علينا مقال ينسج قصة كاملة من الخيال، ويقدّمها للرأي العام وكأنها حقيقة مكتملة الأركان. قصة تقول إن جمعية الهلال الأحمر السوداني اجتمعت وقررت المشاركة في مؤتمر برلين، في مخالفة لتوجهات الدولة وإرادة الشعب.

لكن الحقيقة، ببساطة، أن هذه القصة لم تحدث أصلاً.ما جرى ليس اختلافاً في التقدير أو وجهات النظر، بل نموذج واضح لما يمكن وصفه بـ”التضليل المصنوع”. فلا اجتماع انعقد، ولا قرار صدر، ولا حتى دعوة وصلت. ومع ذلك، بُنيت اتهامات كبيرة على هذا الفراغ، وتم توجيه سهام قاسية نحو مؤسسة إنسانية وطنية، بل وتجاوز الأمر إلى الإساءة الشخصية لرئيسها، في مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية والمسؤولية.

الأخطر من ذلك ليس فقط نشر معلومة غير دقيقة، بل الإصرار على بناء سردية كاملة عليها: ربط بمواقف الدولة، وتخوين، وإسقاطات سياسية، وتحريض للرأي العام. كل ذلك دون أساس واقعي واحد يمكن الوقوف عليه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من المستفيد من صناعة مثل هذه الروايات؟

جمعية الهلال الأحمر السوداني ليست كياناً سياسياً حتى تُزج في معارك الاصطفاف، بل هي مؤسسة إنسانية تعمل في ظروف بالغة التعقيد، وتؤدي دوراً حيوياً في خدمة المتضررين دون تمييز. واستهدافها بهذه الطريقة لا يضر بها وحدها، بل يضرب في عمق العمل الإنساني نفسه، ويهز الثقة في مؤسسات يفترض أن تبقى بعيدة عن هذا العبث.

إن محاولة إلصاق مواقف لم تُتخذ، وربطها بقرارات سيادية لم تُخالف، هو أمر لا يمكن التعامل معه كـ”رأي”، بل كـ”ادعاء” يستوجب التوقف والمساءلة. فالكلمة حين تُنشر على الملأ ليست مجرد تعبير، بل مسؤولية، خاصة عندما تمس سمعة مؤسسات وأشخاص.

ومن الحقائق التي لا تحتمل التأويل، أن الجمعية لم تُدعَ أصلاً إلى مؤتمر برلين، وهو ما ينسف الرواية من أساسها. فكيف تُبنى كل هذه الاتهامات على حدث لم يقع؟ وكيف يتحول الوهم إلى مادة اتهام؟

إن ما حدث يستدعي وقفة جادة مع خطاب بعض المنابر، التي باتت تتعامل مع القضايا الوطنية بمنطق الإثارة لا الحقيقة، وبنزعة الاتهام لا التحقق. وهذا المسار، إن استمر، لن يقود إلا إلى مزيد من التشويش وإضعاف الثقة العامة.

من حق جمعية الهلال الأحمر السوداني أن تدافع عن نفسها، ومن واجبها أن تحمي سمعتها، بل ومن حقها أيضاً أن تلجأ إلى القانون في مواجهة أي ادعاءات تمسها. فالمسألة لم تعد مجرد رأي عابر، بل تجاوزت إلى اتهامات صريحة تستوجب المحاسبة.في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة:لا اجتماع… لا دعوة… لا مشاركة.وما عدا ذلك، مجرد رواية لا تصمد أمام أول اختبار للواقع.والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى