
محمد عثمان الرضي..يكتب..مذكرة الجمارك تُغيّر القرار.. والبرهان يُلغي حظر السلع الغذائية
ستة أشهر من حظر الغذاء، وجنيه سوداني يواصل الانهيار، ومواطن يطحنه الغلاء؛ ثم تكفي مذكرة من الجمارك لتفتح الطريق أمام إلغاء القرار! فأين كانت الحكومة طوال هذه الأشهر؟ ولماذا يدفع السودانيون ثمن قرارات اقتصادية قبل أن تكتشف مؤسسات الدولة ضرورة مراجعتها؟ إن إلغاء رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان حظر السلع الغذائية، بعد مذكرة الجمارك التي أسهمت في تغيير مسار القرار، يضع حكومة كامل إدريس أمام سؤال جوهري: كيف نمنع تكرار قرارات اقتصادية تُطبَّق أشهراً قبل أن تُراجع آثارها على الأسواق والمواطنين؟ المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات، بل الانتقال من إلغاء القرار إلى إصلاح الآلية التي أنتجته. وتبدأ الخطوة الأولى بتكليف مجلس الوزراء، بالتنسيق مع الوزارات والجهات الاقتصادية المختصة، بإعداد تقرير معلن عن تجربة الحظر خلال فترة تطبيقه. ينبغي أن يوضح التقرير أسباب اتخاذ القرار، والأهداف التي وُضع من أجلها، ومدى تحقيقها، وأثره على أسعار السلع وتوافرها، وحركة الاستيراد، والطلب على النقد الأجنبي، والإيرادات الجمركية. ومن دون هذه البيانات، ستظل القرارات الاقتصادية رهينة التقديرات المتباينة بدلاً من الأدلة القابلة للفحص.
الخطوة الثانية هي إنشاء آلية ملزمة لتقييم القرارات الاقتصادية قبل تنفيذها. فلا يصدر قرار بحظر سلعة أساسية أو تقييد استيرادها إلا بعد إعداد دراسة مختصرة توضح أثره المتوقع على المستهلك والمنتج المحلي والعملة الأجنبية والأسعار والإيرادات العامة. وتشارك في هذه الدراسة الجمارك، ووزارات التجارة والمالية والزراعة، والجهات النقدية المختصة، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص والجهات المعنية بحماية المستهلك. ويجب أن تتضمن الدراسة بدائل أقل كلفة، حتى لا يكون الحظر الخيار الأول كلما واجهت الدولة ضغطاً اقتصادياً الخطوة الثالثة هي وضع سقف زمني لمراجعة القرارات الاستثنائية. فكل قرار يقيد استيراد السلع الغذائية ينبغي أن يتضمن تاريخاً محدداً لمراجعته، ومؤشرات واضحة لقياس نجاحه، وشروطاً معلنة لاستمراره أو تعديله أو إلغائه. ويمكن اعتماد مراجعة أولى بعد ثلاثين يوماً من التنفيذ، ثم مراجعات دورية وفق طبيعة القرار، على أن تُنشر النتائج للرأي العام. بهذه الآلية لا يتحول الإجراء المؤقت إلى سياسة مفتوحة المدة من دون تقييمأما الخطوة الرابعة فتتمثل في تحويل الجمارك من جهة تنفيذية إلى شريك مؤسسي في صناعة السياسة التجارية. فبيانات الجمارك المتعلقة بالكميات المستوردة، ومصادر السلع، وقيمتها، والرسوم المحصلة، وتغيرات حركة التجارة، يمكن أن توفر إنذاراً مبكراً بمخاطر نقص السلع أو ارتفاع تكاليفها. والمطلوب إنشاء قاعدة بيانات اقتصادية مشتركة بين الجهات الحكومية المعنية، وتحديد آلية ترفع بموجبها الجمارك تقارير دورية عن السلع الأساسية إلى مجلس الوزراء، مع إلزام الجهة المختصة بالرد على التوصيات خلال فترة زمنية محددة الخطوة الخامسة هي معالجة أسعار الغذاء بأدوات متعددة، لا بمجرد فتح باب الاستيراد أو إغلاقه. فرفع الحظر لا يضمن وحده انخفاض الأسعار، ما لم تتوافر المنافسة، وتُخفض الاختناقات اللوجستية، وتُراقب الممارسات الاحتكارية. لذلك ينبغي متابعة أسعار السلع الأساسية أسبوعياً في الأسواق الرئيسية، ونشر بيانات عن توافرها وكميات الواردات وتكاليف النقل والرسوم، وتفعيل آليات الإبلاغ عن الاحتكار والتلاعب بالأسعار وفق القانون. كما ينبغي تقييم الرسوم والإجراءات التي تزيد كلفة وصول الغذاء إلى المستهلك، من دون الإضرار غير المدروس بالإيرادات العامة أو المنتج المحلي. الخطوة السادسة هي ربط أي قيود على الاستيراد بخطة واضحة لإدارة النقد الأجنبي. فإذا كان الهدف من الحظر تقليل الضغط على العملات الأجنبية، فيجب نشر مؤشرات تتيح تقييم أثره، ودراسة بدائل مثل ترتيب أولويات الاستيراد وفق الاحتياجات الأساسية، وتسهيل الصادرات، وتقليل تكاليف المعاملات، ومراجعة الإجراءات التي تعطل تدفق السلع والإيرادات. فالحظر الذي لا تُقاس نتائجه قد يغيّر مسار الاستيراد من دون أن يعالج أصل الاختلال الاقتصادي.
الخطوة السابعة هي تحديد المسؤولية عن القرار ونتائجه. والمقصود ليس معاقبة المسؤولين لمجرد أن القرار عُدّل لاحقاً، بل وضع معيار واضح للمساءلة: هل استند القرار إلى بيانات موثوقة؟ هل استُشيرت الجهات ذات الصلة؟ هل وُضعت مؤشرات للنجاح؟ وهل جرت مراجعة الآثار السلبية عند ظهورها؟ ويُرفع تقرير التقييم إلى الجهات الرقابية المختصة، مع إعلان خلاصته للرأي العام، واتخاذ الإجراءات الإدارية أو القانونية عند ثبوت مخالفة أو إهمال وفق القواعد المعمول بها وفي هذا السياق، ينبغي أن تتولى رئاسة مجلس الوزراء تنسيق تنفيذ هذه الإجراءات، وأن تحدد لكل جهة اختصاصها ومسؤوليتها والمدة المطلوبة لإنجاز مهامها. ويمكن إصدار خطة تنفيذية خلال ثلاثين يوماً تتضمن جدولاً زمنياً، ومؤشرات أداء، وآلية متابعة دورية. كما ينبغي أن تتضمن الخطة تقييماً لاحقاً لقرار الحظر، حتى لا يُطوى الملف بمجرد إلغائه، بينما تبقى أسباب الارتباك في صناعة القرار قائمة إن الدرس الأهم من مذكرة الجمارك ليس أن مذكرة واحدة غيّرت مسار قرار فحسب، بل أن الخبرة الميدانية يجب أن تصل إلى طاولة صناعة القرار قبل أن يدفع المواطن الثمن. والمطلوب تحويل هذا الدرس إلى قواعد مؤسسية: دراسة قبل القرار، ومؤشرات أثناء التنفيذ، ومراجعة في موعد معلوم، ومحاسبة تستند إلى الأدلة، وشفافية تتيح للمواطن معرفة ما تحقق وما لم يتحقق فإلغاء الحظر خطوة، أما الإصلاح الحقيقي فهو ألا نحتاج إلى ستة أشهر أخرى لاكتشاف أن القرار يحتاج إلى مراجعة. المواطن لا ينتظر بيانات تبريرية أو وعوداً جديدة؛ بل يريد غذاءً متاحاً بسعر معقول، وسياسة اقتصادية مفهومة، وحكومة تقيس نتائج قراراتها وتتحمل مسؤولية أخطائها. وهذا لن يتحقق بتغيير القرارات وحده، وإنما ببناء نظام يجعل القرار الاقتصادي أكثر دراسة، وأسرع استجابة، وأوضح مساءلة.




