
رحمة عبدالمنعم يكتب..الحكومة الرشيقة
في هذا الوطن المثقل بالحرب التي حصدت أرواح أبنائه، ودمرت اقتصاده وبددت موارده وضاعفت أوجاع أهله، صار الحصول على رغيف الخبز هماً يومياً يؤرق الفقراء والمطحونين والمنهكين والبسطاء، وأصبحت الحياة معركة قاسية يخوضها المواطن السوداني كل صباح في مواجهة الأسعار المنفلتة، والدولار الذي يواصل صعوده الجنوني، وأزمات الوقود والكهرباء والمياه، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية.
وما أقسى أن تتوالد الأزمات وتتناسل المعاناة، فيما حكومة الدكتور كامل إدريس تقف عاجزة عن تقديم معالجات اقتصادية عاجلة تكبح جماح التدهور المريع، وتخفف عن المواطنين أوجاع الحياة وضغوطها المتزايدة، وتواجه هذا الواقع البائس بلجان تتكاثر وقرارات تتوالد، فيما الأسعار تلتهم ما تبقى في جيوب الناس من قروش لا تكفي لسد رمقهم!
ومن الإنصاف القول إن حكومة الدكتور كامل إدريس ليست مسؤولة عن الكارثة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، فالحرب القائمة وما خلفته من دمار هائل في الاقتصاد وموارد الدولة هي السبب الرئيس في هذه الأوضاع المتردية التي ضاعفت معاناة المواطنين وأحالت حياتهم إلى جحيم لا يطاق.
غير أن مسؤولية الحكومة عن إدارة هذه الأزمات ووضع المعالجات العاجلة لتخفيف آثارها تظل قائمة، وهي المسؤولية التي أخفقت في الاضطلاع بها، حتى صار رغيف الخبز حلماً بعيد المنال عن أفواه الفقراء والمسحوقين والمكتوين بنيران جنون الأسعار.
وحكومة الدكتور كامل إدريس الغارقة في أزماتها ما زالت تجتر حلولًا مجربة لا تسمن ولا تغني من جوع، وتجرب المجرب، وكما يقولون: «من جرب المجرب حاقت به الندامة»، فما إن تُشكل اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد حتى تُشكّل لجنة أخرى لضبط العملة ومعالجة القضايا الاقتصادية، وتتوالد اللجان وتتناسل القرارات، والأزمات تمد ألسنتها ساخرة من لجان كامل التي عجزت عن إيقاف التدهور.
فالدولار يواصل ارتفاعه يوماً بعد آخر، وقد تجاوز حاجز العشرة آلاف جنيه، وصفوف الوقود تتكاثر، والأسعار تلتهم ما تبقى من قدرة المواطنين على احتمال هذه الحياة القاسية، والدولة التي استعصت على مليشيات الجنجويد تواجه اليوم خطر الهزيمة أمام الاقتصاد المترنح والأوضاع المعيشية المتردية!
وليس هناك ما هو أدل على عجز هذه الحكومة وقلة حيلتها من تغول رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على اختصاصات الجهاز التنفيذي، وتدخلاته المتكررة في قراراته، بدءاً من ترؤسه المجلس الأعلى للنفط، وإلغائه قرار مجلس الوزراء بفك الحظر عن استيراد بعض السلع.
وقد أثار حديث البرهان لأهالي حلفا عن استثنائهم من حظر استيراد الخضروات والفاكهة المصرية سخرية الأستاذ الكبير الطاهر ساتي، الذي كتب مقالًا بعنوان «يا كامل فكك الحظر»، على غرار العبارة الشهيرة لرئيس الجمهورية السابق عمر البشير «يا عوض اقفل البلف»، التي ارتبطت بأزمة النفط مع دولة جنوب السودان.
وتدخلات رئيس مجلس السيادة في الشأن التنفيذي لا تنتهي، فكلما زار ولاية أو خاطب حشداً وعد بحل مشكلاتها، وكأنه الوالي أو الوزير المسؤول عنها، الأمر الذي زاد من إضعاف جهاز تنفيذي يعاني أصلًا من ضعف الأداء وغياب الفاعلية، وأصبحت قراراته عرضة للإلغاء والتعديل، بما يكرس حالة الارتباك ويضعف هيبة مؤسسات الدولة.
وإذا كان رئيس مجلس السيادة غير راضٍ عن أداء حكومة كامل، كما عبر عن ذلك في ملتقى الإعلاميين الأخير، فإن عليه أن يتخذ القرار الذي تقتضيه المصلحة الوطنية، إقالة هذه الحكومة التي يتزايد السخط على أدائها، وتشكيل حكومة رشيقة يقودها القوي الأمين، من أصحاب الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار.
حكومة تنصرف إلى هموم المواطنين ومعاشهم، وتعمل على وقف التدهور الاقتصادي، وخفض الإنفاق الحكومي، وتقليص الترهل الإداري، وتبسيط الإجراءات، وإزالة تداخل الاختصاصات بين الوزارات والهيئات، وتوجيه الموارد الشحيحة نحو الخدمات الأساسية، واتخاذ قرارات عاجلة ومدروسة توقف نزيف الاقتصاد وتخفف معاناة الناس، وتستجيب للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية بالكفاءة والسرعة المطلوبتين.
إن أخطر ما يواجه البلاد اليوم أن تتحول الأزمات الاقتصادية والمعيشية إلى حرب أخرى على المواطن الذي أنهكته ويلات القتال والدمار والنزوح والجوع، فالسودانيون الذين تحملوا أهوال هذه الحرب يستحقون حكومة تستشعر أوجاعهم، وتدرك حجم معاناتهم، وتعمل على انتشالهم من هذا الواقع البائس، وتضع حداً لهذا العبث الإداري الذي تتكاثر فيه اللجان وتغيب فيه الحلول.
ويظل المواطن وحده يدفع ثمن العجز وقلة الحيلة، وعلى قيادة الدولة أن تدرك أن استمرار هذا الأداء التنفيذي المرتبك يضاعف كلفة الحرب على المواطنين، ويهدد ما تبقى من صمودهم وقدرتهم على احتمال أعباء الحياة.
وكما يقول أستاذنا أسامة عبد الماجد، ويردد دوماً: «ومهما يكن من أمر»، فإن إقالة هذه الحكومة وتعيين حكومة رشيقة وقوية تدير شؤون البلاد والعباد أصبحت ضرورة وطنية عاجلة، وعلى رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن يتحمل مسؤوليته في حسم أمر الجهاز التنفيذي، وأن يضع حدًا للتداخل في اختصاصاته، ويتيح لحكومة مقتدرة ممارسة صلاحياتها كاملة ومحاسبتها على أدائها ونتائج قراراتها.
فالوطن المنهك بالحرب لا يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة، والمواطن الذي أنهكته الأسعار وأذلته صفوف الوقود وأوجعته الأزمات لا يملك ترف انتظار لجنة جديدة أو وعود تتبدد عند أول اختبار. والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه قيادة الدولة اليوم، إلى متى يظل المواطن يدفع ثمن العجز الحكومي، وإلى متى تظل اللجان تتكاثر والأزمات تتمدد، والدولار يرتفع، ورغيف الخبز يبتعد عن أفواه الفقراء؟
إن استمرار هذه الحكومة على هذا النحو أصبح عبئاً إضافياً على وطن أثقلته الحرب وأوجعته الأزمات، وإذا عجزت الحكومة عن تخفيف معاناة الناس، فإن الإبقاء عليها يفتقر إلى المبرر السياسي والأخلاقي، فأقيلوا هذه الحكومة وأعيدوا ترتيب الجهاز التنفيذي، واختاروا من يستطيع تحمل المسؤولية، فالوطن أكبر من الأشخاص والمناصب، وحياة الناس وكرامتهم ومعاشهم أولى بكل اهتمام، وكفى المواطنين ما أصابهم من بؤس وشقاء!




