اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..بدر للطيران.. حين تنكسر الحقيبة وتبقى قيمة الموقف

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..بدر للطيران.. حين تنكسر الحقيبة وتبقى قيمة الموقف

في المطارات، لا تنتهي الحكايات دائماً عند لحظة الوصول؛ فبعضها يبدأ هناك. قد يصل المسافر إلى وجهته، وتبقى حقيبته معلقة بين العناية والإهمال، وقد ينتهي الأمر عند شكوى عابرة، وقد تبدأ من الواقعة الصغيرة حكاية أكبر تكشف كيف تفكر المؤسسة، وكيف تتصرف حين يصبح الخطأ أمامها واقعاً لا يمكن تجاهله هذه الحكاية بدأت بحقيبة مكسورة، لكنها لم تنته عند الكسر في الأسبوع الماضي، قدمت من مطار القاهرة إلى مطار الخرطوم على متن شركة بدر للطيران، للمشاركة في ملتقى الإعلاميين الذي انعقد بالعاصمة السودانية الخرطوم. كانت رحلة عادية بكل تفاصيلها، إلى أن وصلت إلى صالة استلام الأمتعة، حيث اكتشفت أن حقيبتي، التي كانت ضمن العفش المشحون، قد تعرضت للكسر لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد تلف أصاب حقيبة؛ فالمسافر حين يسلم أمتعته للناقل يضع جزءاً من ممتلكاته في عهدة جهة يفترض أن تعيده إليه سالماً. ولهذا كان من الطبيعي أن يثير الأمر استيائي، وأن أكتب مقالاً مطولاً شرحت فيه ما حدث، واضعاً الواقعة أمام الرأي العام.كتبت لأن الخلل، حين يقع، يستحق أن يُقال، لكنني كنت أؤمن في الوقت نفسه بأن نشر الشكوى ليس نهاية القصة؛ فالنصف الآخر من الحكاية يبدأ عندما يصل صوت المتضرر إلى الجهة المعنية، وحينها يصبح السؤال الحقيقي: ماذا ستفعل المؤسسة؟ الإجابة جاءت أسرع مما توقعت.تواصل معي مالك شركة بدر للطيران، الأستاذ أحمد عثمان أبوشعيرة، وأبدى أسفه لما حدث، ثم وجّه عثمان الأحمر، مدير محطة القاهرة بشركة بدر للطيران، بمتابعة الموضوع.

لم يتعامل الأحمر مع الأمر باعتباره شكوى يمكن احتواؤها بعبارة اعتذار، وإنما مضى إلى التحقق من تفاصيلها؛ فتم تشكيل لجنة للتحقيق، وطُلبت مني صور الحقيبة المتضررة حتى تكون الواقعة أمام المعنيين بصورة موثقة أرسلت الصور، وكنت أظن أن الملف دخل مساره الإداري الطبيعي؛ تحقيق، ثم نتيجة، وربما ينتهي الأمر عند ذلك لكن المؤسسة اختارت أن تجعل النتيجة ملموسة في اليوم التالي، تم شراء حقيبة جديدة من النوع نفسه وإرسالها إلى الخرطوم. وهنا انتقلت القضية من دائرة الكلام إلى دائرة الفعل؛ فالاعتذار يمكن أن يُقال في دقائق، أما معالجة الضرر فتحتاج إلى قرار وتنفيذ ومتابعة وفي صباح الأحد اكتمل المشهد عندما تلقيت اتصالاً من مدير محطة الخرطوم الأستاذ غازي ومن الموظفة الأستاذة أمل، حيث قاما بتسليمي الحقيبة الجديدة عند تلك اللحظة، لم تعد الحكاية عن حقيبة تعرضت للكسر أثناء رحلة جوية، وإنما عن الطريقة التي اختارت بها المؤسسة أن تتعامل مع أثر الواقعة. فالمسافر لا ينتظر دائماً خدمة بلا أخطاء، بقدر ما ينتظر جهة لا تتركه وحيداً عندما يحدث الخطأ.

ومن هنا، يصبح الشكر مستحقاً للأستاذ أحمد عثمان أبوشعيرة، مالك شركة بدر للطيران، على اهتمامه الشخصي بالواقعة منذ بدايتها، وعلى متابعته التي انتهت إلى جبر الضرر بصورة عملية.ويستحق الأستاذ عثمان الأحمر تقديراً خاصاً على ما أبداه من اهتمام، وعلى تشكيل لجنة للتحقيق وطلب صور الحقيبة ومتابعة الموضوع حتى اتخذ مساره العملي.كما أجد لزاماً عليّ أن أسجل تقديري للأستاذ غازي والأستاذة أمل في محطة الخرطوم، فقد كانا عنوان الختام في هذه الواقعة، وكان تسليمهما الحقيبة الجديدة صورة عملية لحسن التعامل مع المسافر ولأنني كتبت عن الواقعة في بدايتها، فإن الإنصاف المهني يفرض عليّ أن أكتب عنها في نهايتها أيضاً. الصحافة ليست محكمة تصدر حكماً من طرف واحد، وليست منبراً لا يرى إلا مواطن الخلل؛ إنها كذلك شاهد على الاستجابة حين تكون الاستجابة جديرة بالتسجيل قد تنكسر حقيبة، وقد يقع خلل في أي منظومة بشرية، لكن قيمة المؤسسة تظهر في اللحظة التي تختبر فيها قدرتها على تحويل الخطأ إلى معالجة، والشكوى إلى إجراء، والاستياء إلى ثقة قابلة للاستعادة.

وهنا تحديداً تكمن خلاصة هذه الحكاية.فالحقيبة التي وصلت إلى الخرطوم مكسورة، غادرت القصة بحقيبة جديدة؛ أما الأهم من ذلك، فقد خرجت منها قناعة بأن قيمة المؤسسة لا تُقاس فقط بما تقدمه عندما تسير الأمور على ما يرام، وإنما بما تفعله عندما لا تسير الأمور كما ينبغي وفي النهاية، ليست الحقيبة هي ما يستحق أن يبقى في الذاكرة.إنما الموقف.فالأشياء يمكن استبدالها، والأضرار يمكن جبرها، لكن الثقة لا تُشترى من متجر، ولا تُرسل في شحنة جوية، ولا تصل إلى صاحبها إلا عبر موقف صادق في اللحظة المناسبة.وهذه المرة، وصلت الحقيبة إلى الخرطوم مكسورة… ووصل معها، في اليوم التالي، ما هو أثمن منها: رسالة تقول إن وراء الخدمة مؤسسة تعرف أن للمسافر حقاً، وأن للحق ثمناً يجب أن يُدفع عندما يقع الضرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى