علاء الدين محمد أبكر..يكتب..من الوعد إلى الإنجاز.. خالد الإعيسر رجل كل المراحل يعيد الحياة لمؤسسات السودان الإعلامية والثقافية
ينطبق على الأستاذ خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة عبارة “الرجل المناسب في المكان المناسب”. فالرجل الذي خبر دهاليز الإعلام وعركته ميادين العمل الصحفي والإذاعي والتلفزيوني، تمكن في وقت وجيز من تحويل شعار “جيناكم” من مجرد رسالة عودة إلى برنامج عمل متكامل، واسترداد هيبة الوزارة لتعود إلى سيرتها الأولى في ظرف بالغ الحساسية تمر به البلاد وتشهد فيه حرباً ضروساً استهدفت الإنسان والحجر والمؤسسات.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. فالوزارة التي عادت للعمل من قلب العاصمة الخرطوم وجدت أمامها إرثاً ثقيلاً من الدمار والتخريب الذي طال مقرات الإذاعة والتلفزيون والمتاحف ودور الثقافة. وبدلاً من الوقوف عند حدود الشكوى، اختار الأعيسر أن يواجه. فكانت الأشهر الثلاثة الماضية شاهدة على حراك تأسيسي غير مسبوق داخل أروقة وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، بالتعاون الوثيق مع إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.
شهد تلفزيون السودان تطوراً كبيراً في التجهيزات الفنية وتحسين البيئة الخارجية. عادت الكاميرات للعمل، وأعيدت صيانة الاستديوهات، وبدأت ملامح البث الجديد تتشكل. وتشير مصادر خاصة بالهيئة إلى أن خطة التأهيل تسير وفق رؤية واضحة مدعومة بالثقة والإنجاز، حيث تواصل الوزارة وإدارة الهيئة ترتيباتهما للانتقال بتلفزيون السودان إلى مرحلة البث عالي الجودة HD، ضمن مشروع التطوير الفني ورفع مستوى الإنتاج الإعلامي بما يواكب التطورات الحديثة ويعيد للشاشة القومية مكانتها.
وعقب اكتمال ملف تأهيل التلفزيون، ستنتقل الوزارة مباشرة إلى استكمال ملفي الإذاعة والمتحف القومي. فالإذاعة السودانية التي ظلت لعقود صوت الوطن في كل بيت، تشهد اليوم صيانة لعدد من استديوهاتها، وعملت بكفاءة مرحلية رغم الظروف، في انتظار اكتمال أعمال الصيانة الشاملة وتحسين البيئة الخارجية لتعود بكامل جاهزيتها. أما المتحف القومي فهو الآخر على موعد مع إعادة تأهيل تحفظ للسودان ذاكرته الحضارية التي حاولت أيادي التخريب العبث بها.
ولم يتوقف الأمر عند البنيات. فمن أبرز الإنجازات التي تُحسب للوزير الإعيسر قيادته لملف استرداد آثار البلاد التي نهبت إبان احتلال المليشيا للعاصمة. وهو عمل دبلوماسي وفني جبار لم يكن سهلاً، لكنه حفظ للأجيال القادمة حقوقهم في تراث بلادهم، وأكد أن الثقافة خط أحمر لا يمكن المساومة عليه.
إن الناظر لتجربة خالد الإعيسر يدرك أن هذا النجاح لم يأتِ من فراغ. فالرجل منذ أن كان في قناة النيلين الرياضية ظل يعمل لأجل الارتقاء بالعمل الإعلامي المهني. وعندما وجد المتاريس الإدارية التي تعيق التطوير لم يتردد في تقديم استقالته على الهواء في سابقة مهنية نادرة لم تحدث في دولة عربية أو أفريقية. كان ذلك دليلاً على شجاعة نادرة وإيمان بأن الإعلام رسالة لا وظيفة.
ولكن الشجاعة الحقيقية تجلت عندما لبى نداء الوطن. ترك بلاد الغرب بكل ما فيها من استقرار ومحاسن، وعاد من لندن في ظرف حساس لتسلم وزارة كان الكثيرون يتهربون منها. وزارة في قلب معركة الوعي. فكان أن حولها الإعيسر إلى نموذج يُحتذى به في العمل والنشاط والإنجاز وسط بقية الوزارات.
اليوم يقود الإعيسر معركة الارتقاء بالإعلام الوطني. فهو يدرك جيداً أنه مهما تطورت وسائل التواصل الاجتماعي، فإن التلفزيون والإذاعة سيظلان المنبر الأول والأكثر مصداقية لبث أخبار البلاد، وعكس تراثها المتنوع، وتوحيد وجدان الشعب السوداني. ولذلك كان التركيز على إعادة تأهيل المؤسسات القومية أولوية قصوى.
إن شعار “جيناكم” لم يكن مجرد كلمات للاستهلاك. لقد جسد إرادة قوية لترجمة الخطط إلى واقع بأقل الإمكانيات المتاحة، وفي ظل شح الموارد وتحديات الحرب. إنه تأكيد على أن الدولة موجودة، وأن مؤسساتها تعود، وأن صوت السودان لن يصمت.لذلك يستحق الأستاذ خالد الإعيسر أن نطلق عليه لقب “رجل كل المراحل”.
كان رجل الشجاعة والمواقف عندما قدم استقالته دفاعاً عن المهنة.وكان رجل الوطن عندما عاد من الغربة ليقود الوزارة في أحلك الظروف.واليوم هو رجل البناء والتعمير الذي يعيد الروح لمؤسسات الإعلام والثقافة التي تضررت إبان الحرب. وغداً سيكون رجل المرحلة القادمة لاستعادة السودان لصوته الثقافي والإعلامي بين الأمم، وتصدير إبداعه وفنونه وتراثه للعالم.فأنصفوا الرجل.. فبمثل هؤلاء تُبنى الأوطان.
alaam9770@gmail.com




