اعمدة ومقالات الرأى

د. مُحمّد قُور حامِد.. يتساءل..غرب كردفان.. البني التحتية تحت المجهر . من النفط للخراب. لماذا تموت ولاية غنية فوق الأرض؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. مُحمّد قُور حامِد.. يتساءل..غرب كردفان.. البني التحتية تحت المجهر . من النفط للخراب. لماذا تموت ولاية غنية فوق الأرض؟

لا تُقاس قيمة الولاية بما تذخره من موارد خام تحت الأرض، بل بما فوق الأرض من بني تحتية تجعل من هذا الكنز حياةً للناس. وغرب كردفان، هذه الولاية التي تنام على النفط وتصحو على العطش، تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تتعافى بنيتها التحتية فتتعافى معها روح مواطنها، أو يبقى الخراب مرآةً تعكس غياب الدولة.

وزارة البني التحتية.. عصب الولاية النابض.. 

في ولاية كغرب كردفان، لا تكون وزارة البني التحتية مجرد إدارة هندسية. هي وزارة الحياة نفسها. الطريق الذي يربط “التبون” بـ”الفولة”، الجسر الذي يعبر خور الموسم، محطة المياه التي تمنع “أنيميا الخلايا المنجلية” التي وثقتها أبحاثنا – كلها تبدأ من مكتب في هذه الوزارة. حين تنهار البني التحتية، لا ينهار الأسفلت فقط، بل ينهار تشخيص المريض الذي لا يصل للمستشفى، وينهار قلم الطالب الذي لا يصل للمدرسة.

الحرب.. حين صار الخراب منهجاً..

جاءت الحرب فلم تفرق بين مستشفى وشارع وجسر. دمرت ما شيّدته أيادي أبناء الولاية بعرق سنين. اليوم، والولاية تُدار من جوارها “شمال كردفان” مؤقتاً، صار المشهد أكثر قسوة: موظف يقبض راتبه من مدينة بعيدة، ومريض يُحمل على “درداقة” لكيلومترات، وتلميذ يدرس تحت شجرة لأن الفصل صار ركاماً.

لكن وسط هذا الركام، ثمّة إصرار.

الجهاز التنفيذي.. ترميم بؤر الخراب ..

الوالي والجهاز السياسي والتنفيذي لولاية غرب كردفان يعملون اليوم بهمّة استراتيجية لا تشبه هدير المعارك. معركتهم الآن مع الإسفلت المكسور، ومع انقطاع الرواتب، ومع صمت الماكينات. اجتهادهم الأكبر منصب على ملفين:

1. ترميم بؤر الخراب: إعادة تأهيل الطرق والمحطات والمرافق التي مستها يد الحرب، خطوة خطوة، كجرّاح يعيد خياطة جرح غائر. ولكن كل ذلك خطط للتنفيذ تحد منها آلة الحرب.

2. إيصال الرواتب: محاولة كسر عزلة الموظف الذي أقعدته الحرب في منزله، لأن تعطيل المرتب هو تعطيل لكرامة إنسان كامل، وليس لموظف فقط.

المركز.. لماذا التخلي في رمشة عين؟  

هنا يتوقف القلم ويسأل: لا أدري لماذا تخلّى المركز في رمشة عين عن أهم ولاية في السودان؟ غرب كردفان ظلت لعقود الرافد الاقتصادي الوحيد لخزينة المركز، بما اشتهرت به من خيرات البترول والثروة الزراعية والحيوانية والواردات.لماذا لم يتحمس المركز ويشدّ من أزر حكومة غرب كردفان ووزرائها الذين ظلوا يستجدون وزارة المالية الاتحادية، لتلقي لهم فتاتاً في جوف خزينة ولاية أثخنتها الحرب؟ فتات لا يردّ رمق نازح ولا مشرد، ناهيك عن مرتبات موظفين بذلت الولاية مع جهات معتبرة لتفيهم حاجاتهم.

لماذا ينظر المركز إلى وزراء غرب كردفان وكأنهم هم من صنعوا هذه الحرب الخبيثة؟ 

يليق بحكومة المركز أن تدعم مالية غرب كردفان ووزارة البني التحتية التي يقع على عاتقها مسؤولية التخطيط الهندسي والإنمائي والتوزيع العادل لخدمات التنمية. بدلاً من أن يتسول وزيرها بقرعة الولاية: “أعطوه أو امنعوه”. ولعل هذا ما جعل الوزير الشاب باشمهندس دكتور خالد جبرالله يمضي قدماً في التعاقد باسم حكومته مع بعض الشركات لتوفير ما يلزم لخدمة إنسان الولاية.

تحت المجهر.. نقد الشانئين

لكن لا نافذة تُفتح للعمل إلا ودخلت منها رياح النقد. تدور اليوم خلف كواليس وزارة البني التحتية همسات واتهامات: بأن الوزارة “تتعاقد خارج سور التنمية الولائي” لاحتكار الامتيازات الاقتصادية.

وهنا يجب أن نقولها بصراحة :

النقد حق مشروع، بل هو “مرآة” لا تستقيم الدولة بدونها. لكن فرق كبير بين نقدٍ يبني وبين نقدٍ يهدم قبل أن يرى. إذا كانت هناك عقود خارج الولاية، فلتُعرض على طاولة الشفافية، لا على طاولة الإشاعة. فالمال العام في غرب كردفان ليس ملك حزب أو شخص، بل هو عرق مواطن من “التبون” لـ”خور طقت” دفع ثمنه من قوت يومه.

 التبون زمان لن يعود بالحنين

“التبون زمان” التي كتبت عنها في قصصي لم تكن مجرد زمن جميل، بل كانت زمناً بُنيت فيه المدارس بالطين والحماس معاً. اليوم نحن أحوج ما نكون لذات الحماس، لكن بأسمنت وشفافية.

غرب كردفان لا تطلب صدقة، تطلب طريقاً. لا تستجدي عطفاً، تستجدي جسراً. فإذا صحت البني التحتية، صحّت الولاية، وصحّ معها حلم مواطن ظل لعقود تحت المجهر، لا فوق خارطة التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى