
د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..سيف الحق الناجز: عودة المحكمة الدستورية وترميم صرح الدولة السودانية
تاريخياً وفي المنعطفات الكبرى، حيث تتخاطف الأقدار مصائر الأمم، لا ينهض البنيان الوطني إلا على قواعد صلبة من العدل الناجز والشرعية الحاكمة. وإزاء ما يرزح تحت وطأته السودان في أتون حرب الكرامة وما تمخض عنها من تصدعات هائلة، تبرز عودة المحكمة الدستورية قمة هرم السلطة القضائية وملاذ الشرعية الأخير كحدث تأسيسي يتجاوز حدود الإجراء القضائي التقليدي، ليغدو إعلاناً صارخاً عن إرادة البقاء، وبعثاً جديداً لدولة المؤسسات وسيادة حكم القانون.
إن غياب هذه المؤسسة السيادية طوال سنوات الفراغ المنصرمة، قد ترك خواءً دستوريًا نزفت فيه الحقوق وتأرجحت دونه موازين الاستقرار. وحين تعود اليوم لتستأنف ولايتها، فإنها تلتئم مع بقية مفاصل المنظومة العدلية من قضاء عادي ونيابة عامة لتغلق فجوة الترهل الإداري والتشريعي، وتضع حداً لحالة السيولة التي استغلتها قوى الفوضى والعدوان. فالعدالة لا تكتمل أجزاؤها إلا بعقلها المدبر، والمحكمة الدستورية هي هذا العقل الذي يزن التشريعات بميزان الدستور، ويضبط إيقاع السلطات كيلا تحيد عن جادة المصلحة العليا للبلاد.
ولا غرو أن التحديات الماثلة أمام هذه السلطة الرفيعة تعادل في جسامتها قسوة المرحلة التاريخية. فالمحكمة تقف اليوم وجهاً لوجه أمام تركة ثقيلة خلفتها آلة الحرب؛ تبدأ من حماية الحريات العامة التي استباحتها ريح الاستبداد والتمرد، ولا تنتهي عند الطعون الدستورية المرتبطة بالقرارات الاستثنائية والتشريعات الطارئة التي فرضتها ضرورات المعركة. إنها مطالبة بالفصل في منازعات الملكية والتعويضات، والنظر في الانتهاكات الجسيمة التي مست كرامة الإنسان السوداني وكيانه، بما يحفظ حقوق الضحايا ويؤسس لعدالة انتقالية لا تفرط في حق ولا تظلم بريئاً.
هذا المخاض القضائي يتقاطع حتماً مع ورشة كبرى لإعادة البناء المؤسسي؛ إذ لم تعد المهمة مقصورة على مجرد فض النزاعات، إنما تعدتها إلى ترميم جدران الدولة المتداعية، واستعادة الثقة في نصوص القانون ومؤسساته الحارسة. إن رقابة المحكمة الدستورية على دستورية القوانين تضمن ألا تخرج تشريعات المستقبل عن ثوابت الهوية والحرية والعدالة الاجتماعية، مما يصد عن البلاد أي محاولات مستقبلية لاختطاف القرار أو الالتفاف على الحقوق الدستورية للشعب.
إن عودة المحكمة الدستورية في هذا التوقيت المفصلي تمثل طوق نجاة حقيقي، ورسالة قاطعة بأن صوت الحق الدستوري سيعلو حتماً فوق أجيج المعارك، وأن السودان، وإن أثقلته جراح الحرب، يمتلك المناعة الذاتية التي تعيده إلى سيرته الأولى؛ وطناً تحكمه سيادة القانون، وتستظل برحمته كافة مكوناته في عهدد جديد من الاستقرار والكرامة.




