
د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..اغتيال الشخصيات.. حين يتحول الخلاف إلى جريمة والاختلاف إلى استباحة
لم تكن ظاهرة اغتيال الشخصيات وليدة عصرنا، ولا هي سلوك طارئ أفرزته الصراعات السياسية الحديثة؛ فقد رافقت التاريخ الإنساني منذ بداياته، حين عجز بعض الناس عن مواجهة الفكرة بالحجة، والشخص بالموقف، والمشروع بالمشروع، فلجأوا إلى أقصر الطرق وأكثرها ظلمة: إسكات صاحب الفكرة، وتشويه صاحب الموقف، وإقصاء صاحب التأثير.
ولعل أبلغ ما يكشف خطورة هذه الظاهرة أن صفوة الخلق، من الأنبياء والمرسلين، لم يسلموا من أذى البشر، مع أنهم مبعوثو العناية الإلهية لهداية الناس وإقامة الحق. قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.فإذا كان الحق نفسه قد واجه عبر التاريخ محاولات الاغتيال والإقصاء، فإن ذلك يكشف أن المشكلة ليست دائماً في قوة الحجة أو ضعفها، وإنما في نفوس ترى في وجود الآخر تهديداً لمصالحها، أو لمكانتها، أو لمشروعها، أو لصورتها أمام الناس.
والاغتيال ليس بالضرورة فعلاً مادياً ينتهي بسقوط إنسان؛ فهناك اغتيال آخر قد يكون أشد انتشاراً وأطول أثراً: اغتيال السمعة، واغتيال الشخصية، واغتيال المكانة الاجتماعية.قد يُقتل الإنسان مرة بسلاح، لكنه قد يُقتل معنوياً عشرات المرات بالشائعة، والاتهام الباطل، والتشهير، والاجتزاء، وتلفيق المواقف، وتحويل الظنون إلى حقائق، والأخبار غير الموثقة إلى أحكام قطعية.
وهنا يصبح الخطر مضاعفاً؛ لأن الجريمة المادية غالباً ما تترك آثاراً واضحة، بينما الجريمة المعنوية قد تتخفى خلف عبارات تبدو بريئة، أو أسئلة تبدو عابرة، أو منشورات يتناقلها الناس بلا تثبت. وقد حسم الإسلام هذا الباب بحزم بالغ، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقال سبحانه:﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾وقال جل شأنه: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾وهذه ليست توجيهات أخلاقية فحسب ، إنها منظومة حماية للمجتمع من أن يتحول الخبر إلى فتنة، والظن إلى إدانة، والخلاف إلى عداء، والعداء إلى جريمة.
والسؤال الحاضر لماذا تُغتال الشخصيات؟ فإن وراء استهداف الشخصيات دوافع متعددة؛ قد تكون سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو فكرية، وقد تتداخل فيها المصالح الشخصية مع الحسابات العامة. فثمة من يرى في الشخصية المؤثرة عقبة أمام مشروعه، وثمة من يخشى حضورها وتأثيرها، وثمة من يريد إسقاطها من أعين الناس قبل أن يسقطها في الواقع.ولهذا يبدأ الاستهداف أحياناً بالكلمة، ثم بالشائعة، ثم بالتشكيك، ثم بالعزل الاجتماعي، وقد يتطور الأمر في بعض البيئات إلى الاعتداء المادي.والقاعدة الخطيرة هنا أن الخصومة حين تفقد أخلاقها، تصبح كل الوسائل عند أصحابها مباحة، حتى لو كانت باطلة وظالمة.
فالشخصية المستهدفة لا تواجه الأذى وحدها؛ فالاستهداف يترك ظلالاً على الأسرة، والأصدقاء، والمؤسسة التي ينتمي إليها، والجمهور الذي يتابعه.أما نفسياً، فقد يولد التشهير المستمر شعوراً بالضغط والعزلة وفقدان الثقة بالآخرين، خصوصاً حين يجد الإنسان نفسه مطالباً بالدفاع عن نفسه أمام روايات لم يصنعها، واتهامات لا تستند إلى بينة.واجتماعياً، قد تؤدي الشائعة إلى قطع علاقات، وإضعاف ثقة، وتشويه تاريخ، وإهدار رصيد بناه الإنسان خلال سنوات طويلة.
وهنا يجب أن يدرك المجتمع أن الكلمة ليست بلا ثمن، وأن إعادة نشر الاتهام لا تجعل صاحبه صحيحاً، وأن كثرة ترديد الشائعة لا تحولها إلى حقيقة.لذلك إن الرأي العام أمام هذه الظاهرة ليس متفرجاً.إن أول واجباته التثبت، ثم عدم المشاركة في صناعة الوهم، وعدم منح المنصات للشائعات، وعدم تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكم بلا قضاة ولا أدلة ولا حق في الدفاع.
ليس كل ما يُقال يستحق أن يُنقل، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُصدق، وليس كل اتهام يستحق أن يصبح قضية رأي عام.وفي الإسلام، العدالة لا تتغير بتغير الأشخاص. فالخصومة لا تبرر الظلم، والاختلاف لا يبيح البهتان، والانتماء لا يمنح أحداً حصانة من الحق ولا يسلب الآخر حقه فيه.
قال تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.إنها قاعدة تصلح لكل زمان ومكان: لا تجعل كراهيتك لشخص سبباً في ظلمك له.والرسالة الأهم ينبغي أن توجه إلى أولئك الذين يخوضون في حياة الشخصيات وسمعتها دون بينة.تذكروا أن المنصات الرقمية لا تمنح أحداً حصانة من المسؤولية، وأن ما يُكتب اليوم قد يصبح غداً شاهداً على صاحبه.
فالكلمة التي تظنها عابرة قد تكون ظلماً، والمنشور الذي تراه مجرد مشاركة قد يكون تشهيراً، وإعادة نشر الاتهام قد تجعل الناقل شريكاً في الأذى، ولو لم يكن هو صاحب الرواية الأولى.والأخطر من ذلك أن الإنسان قد ينسى ما كتب، لكن أثر ما كتب قد يبقى في حياة إنسان آخر سنوات طويلة.
لذلك، قبل أن تضغط زر النشر، اسأل نفسك: هل أملك الدليل؟ هل أستطيع أن أقف أمام الله بما كتبت؟ هل أرضى أن يُقال عني ما أقوله عن غيري؟ وهل كنت سأكتب الكلام نفسه لو كان الشخص المستهدف أمامي؟تلك الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيراً من المظالم.
لا تجعلوا الخلاف باباً للعدوان. لقد علمنا التاريخ أن إسقاط الأشخاص لا يسقط الأفكار، وأن اغتيال الرموز لا يقتل القيم، وأن محاولات طمس الحقيقة قد تؤجل ظهورها لكنها لا تستطيع إعدامها.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة أخلاق الكلمة، وهيبة الحقيقة، وحرمة الإنسان. فلا تجعلوا من اختلافكم مع شخص مبرراً لاغتياله معنوياً، ولا تجعلوا من شائعة مادة للتسلية، ولا من وسائل التواصل ساحة لإعدام الناس بلا محاكمة.
فالإنسان قد ينجو من رصاصة، لكنه قد لا ينجو من شائعة. وقد تُغلق جرحاً في الجسد، لكن جرح السمعة قد يبقى مفتوحاً في الذاكرة.
وفي ميزان الإسلام، ليست الشجاعة أن تهدم إنساناً لا يستطيع الرد، ولا البطولة أن تنتصر على خصمك بالتشهير به؛ وإنما الشجاعة أن تقول الحق بعدل، وأن تختلف بأدب، وأن تملك القدرة على ضبط لسانك حين يكون إطلاقه ظلماً.
فاحذروا اغتيال الشخصيات؛ فإن بعض الذين يبدؤون باغتيال غيرهم بالكلمة، قد يجدون أنفسهم يوماً واقفين أمام محكمة الكلمة، حين لا ينفع الندم، ولا تنفع الأعذار.




