
بورتسودان: الرسالة نيوز
ما حدث في مدينة سنجة ليس حادثًا أمنيًا غير مقصود، ولا فعلاً معزولًا يمكن احتواؤه ببيانٍ بارد أو تعزيةٍ رسمية، بل هو اختراق أمني خطير، وصفعة مباشرة لهيبة الدولة، ورسالة نارٍ أُرسلت في وضح النهار لتقول بوضوح ، إن الخيانة لم تُجتث بعد، وإن المعركة ما زالت تُدار في الخفاء كما تُدار في الميدان.
أن تتعرض مسيرة استراتيجية لإجتماع لثلاثة ولاة، وفي مدينة ذات رمزية جغرافية وسياسية، ويسقط على إثرها شهداء، فذلك يعني أننا أمام فشل أمني جسيم لا يجوز تبريره ولا القفز فوقه. ولولا لطف الله ورحمته، لكان المشهد أكثر دموية، ولكانت الخسارة مضاعفة، ولكُتب على الدولة أن تواجه إحراجًا لا يُغتفر.
الوقفة الأولى ـ وهي الأخطر ـ أن هذه الحادثة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الخونة والعملاء ما زالوا أحياء، نشطين، متغلغلين، بعضهم يتحرك بعينٍ مفتوحة داخل مؤسسات الدولة، أو في محيطها القريب. وهذه حقيقة موجعة، لكنها لا تحتمل المجاملة ولا سياسة دفن الرؤوس في الرمال. فالدولة التي لا تُنقّي جسدها من الداخل، تُؤتى من خاصرتها، مهما اشتدت قبضتها في الخارج. ثم إن رفع الحس الأمني لم يعد توصية ولا إستجداء بل أمر واجب التنفيذ وفورًا، وتفعيل العقوبات الرادعة لم يعد خيارًا سياسيًا باهتاً ، إنما ضرورة وجودية، لأن التهاون مع الخيانة هو مشاركة غير مباشرة فيها.
الوقفة الثانية، أن استمرار نمط الاحتفالات المفتوحة، والتجمعات المكشوفة، والاجتماعات التي تُعلن زمانًا ومكانًا وتُدار بلا تعمية، هو استهتار غير مبرر بطبيعة المرحلة. نحن لسنا في زمن استعراض، بل في زمن حرب ضروس ، وإن كان لا بد من اجتماع قيادي، فليكن في إطار محكم، مُعمّى، مدروس، تُقدَّم فيه السلامة على الصورة، والأمن على البروتوكول.
أما الوقفة الثالثة، فهي قراءة في عقل العدو. فالمليشيا، وهي تتلقى الضربات وتخسر الأرض والشرعية، تبحث يائسة عن أي اختراق يعيد لها صوتًا أو صورة. فكيف إذا كان الهدف ثلاثة ولاة يمثلون ولايات وسط السودان، قلبه النابض، وسرته السياسية؟ إن الرسالة هنا ليست عشوائية، بل محاولة يائسة لضرب المعنويات، وإرباك المشهد، وتصدير وهم القدرة.الوقفة الرابعة، وهي الفيصل، أن تمكين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لم يعد يحتمل التأجيل ولا الحسابات البيروقراطية. المطلوب الآن ـ لا غدًا ـ هو تسليح العقل قبل البندقية، والتقنية قبل الخطاب، عبر أحدث الأنظمة التي تكشف الجريمة قبل أن تقع، وتلاحق الفاعلين إن وقعت ـ لا قدر الله ـ وبسرعة حسم لا هوادة فيه ولا تساوم.
إن دماء الشهداء في سنجة ليست رقمًا في سجل الحوادث، بل أمانة في عنق الدولة، واختبارًا حقيقيًا لقدرتها على التعلم من الضربات، لا التعايش معها. ففي هذه المرحلة، لا مكان للطمأنينة الزائفة، ولا للخطاب المهدئ أكثر مما ينبغي.فالرسالة واضحة، والإنذار صريح، والخصم لا ينام.فالواجب الحذر… ثم الحذر… ثم الحذر .. فالدولة التي تتأخر في اليقظة، تدفع ثمنها من أرواح أبنائها.
ردElhakeem.1973@gmail.com




