
لم تكن العودة إلى الوطن حدثًا عاديًا، بل كانت أشبه بمرورٍ في زمنٍ لا يشبه الزمن.هبطت من الطائرة وهي تحمل حقيبةً بلا وزن، بلا طعم، بلا ذاكرة وبلا آمال. لكن قلبها كان أثقل من الطريق، مثقلاً بما تبقّى من العمر، وما ضاع في دهاليز الغربة ودروب الرحيل.سارت بخطواتٍ هادئة كالظمآن يلهث خلف سراب ، سارت نحو المدينة التي عرفتها يومًا، وما عرفتها المدينة.مدينة كانت جزءًا منها، تشبهها وتعرف تفاصيلها.
لكنها اليوم بدت مطفأةً، كأن الليل التهم ملامحها و ابتلع تفاصيلها، ولم يبقِ سوى خطوطٍ باهتة من ماضٍ مُنهك ومستقبل لا مستقبل له وقفت أمام الأبواب التي عرفتها طرقت بابًا فصمت.ولم يفتحفطرقت آخر… فظل كما هو، مغلقًا،كأن الأبواب نسيت أصحابها رفعت رأسها تبحث عن شيء يرحّب بها، يقول لها نزلتي سهلا. فتري وجوها تغيّر فيها الضوء،وأصواتٌ لا اهلا بها ولا سهلا.. أصواتا لا تعرفها واصلت السير، وقدماها تذبحها ويداها تكتبها، تمشي ووجهها يتجه نحو النيل.
النيل الوفي. النيل الوطن. النيل الحياة. النيل القاضي و الجلاد. النيل التاريخ. النيل الذي لم يخنها يومًا.كان دائمًا صديقًا صامتًا يعرف كيف يحتفظ بالأسرار دون أن يطالب بتفسيرها.جلست على ضفته، وأطلّت على الماء.وجدته يجري كما كان.لكنها أدركت أن الجريان ليس هو الجريان، وأن العودة ليست كما العودة.فكان النهر مرآةرأت فيها امرأة تشبهها، لكن لا تشبههافي عينيها شيء من الحكمة، ولا حكمة.وفي ملامحها بعض الانكسار، وفي قلبها شيء من القوّة وشيء من الخوف… وشئ من الأمل ولا أمل ولعله يكون.خليط يصنعه الغياب الطويل.أغمضت عينيها
واستندت إلى جزءٍ من نفسها، كما تستند على صخرة.. دخلت في زمن كان يبحث عنها منذ زمن.ثم قالت في سرّها”ربما لا تنفتح الأبواب القديمة ربما لا تنكسر القيود. ربما تتغير الملامح والأشخاص.. ربما يقتلني الزمن. ربما تذبحني يد الأصدقاء.. لكن قلبي لا يزال يعرف طريقه.نهضت وانتفضت. هزّت الغبار عن ثوبها.. وتشمرت.ولمحت في الأفق شارعًا لم يكن من قبل شارعًا جديدًا لم يحمل ذكرياتها.لكنه حمل شيئًا آخر:فسارت إليه.خطوةً بعد خطوة سارت تترك وراءها ما انطفأ، وتتجه نحو ما قد يضيء من جديد وبرغم أن المدينة لم تتعرّف إليها بعد، كانت متأكدة من شيء واحد:أنها هذه المرة ليست عائدة لتبحث عن نفسها.
تم إرسال رسالتك
عائدة لتعيدها سيرتها الأولى.. عائدة لتصنعها..




