
تساؤلات المرحلة: متى تنتهي الحرب؟ ومَن يحكم؟ ومَن يسود؟
تغيرت خارطة التأثير الجيوسياسي جوهرياً بعد تعثُّر منبر جدة في أكتوبر/تشرين الأول 2024.. وقد ارتفعت قدرات السعودية، الطرف الأساسي فيه، إلى مستوى الردع الإستراتيجي (قوى نووية) في سبتمبر/أيلول من العام التالي لذلك، نتيجة لدخول اتفاق الدفاع المشترك مع باكستان مرحلة جديدة، وتُوِّج ذلك باتفاق نوفمبر/تشرين الثاني من ذات العام مع الولايات المتحدة.
مع العلم أن هذه التطورات ليست في سياق حرب البلاد الراهنة، لكنها حاسمة للغاية في تشكيل المرحلة التالية لها، ورغم أن البنادق لا تزال لها بريق معقول في مصفوفة خارطة التأثير السياسي بالداخل، لكن يمكن تقليص دورها لمستويات لم تكن متاحة قبل هذه التغيرات الجوهرية.. ولأول مرة، يمكن أن تكون أدوات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرهما ناجزة في تحييد التفوق الحالي لأمراء الحرب، عبر حظر تصدير الموارد بصورة غير شرعية.
ومن ثم تخطّي عامل الملاذات الجيواقتصادية (الذهب المهرَّب) كمتغير أساسي في أوزنة الفاعلين.. أي بمعنى أن البندقية أصبحت خياراً غير حاسم للحصول على نصيب في السلطة والموارد.. وهذه المستجدات الدراماتيكية تتجه لفرض واقع جديد قد لا يكون مناسباً لكثيرين، وأولهم الذين لم يحددوا أولوياتهم المتقاربة مع مرحلة ما بعد الحرب، ولم يجمعوا قدراتهم بصورة تجعل من أوزنتهم السياسية أمراً ممكناً، ويبحثون عن ترتيب أوضاعهم لاحقاً.
أثبتت التجارب (غزة-سوريا) أن الأدوات السياسية التقليدية قد لا يكون في مقدورها على المستوى القريب والمتوسط تطويع الغايات الإطارية المحصنة دولياً، مما يجعل العمل عليها في الطاولات البيضاء بغرض أنسنتها وضمان انحيازها للمجتمعات المحلية، أفضل من ادخار الجهود للاصطدام بها لاحقاً، أو استخدامها لتصفية الخصومات السياسية.
وللأسف، هذه الصوابية البرغماتية لن تكون متاحة لمعظم القوى السياسية، بسبب التعبئة العامة غير المدروسة التي وَسَمَت التفاعلات السياسية في فترة مناهضة الحرب بمراحلها الأولى، والتي غلب عليها سياسة الحد من نفوذ الخصوم، دون الاتفاق المسبق على تخطي المراحل.. مما جعل مراكز القوى المُجمَّعة بالتحالفات السياسية تسير نحو التشظي كلما تغيرت الأوضاع على الأرض، في مشهد يوحي بالتسليم بمشروعية العسكر في رسم حدود وموضوع العمليات السياسية.
وترافق ذلك مع حالة تنافس رغائبية على رمزية القيادة المدنية من خلال التخندق خلف وهج الخلاصات الحزبية في وقت كان يمكن تحقيق الكثير فيه للسودانيين.. مع أن الصورة لم تكن معتمة تماماً، وإنما لم تكن كافية بالقدر الذي يجعلها تحبِّر المستقبل، ومن ثم راجت أطروحة أن المجموعات السياسية الحالية غير مرغوب في سيطرتها على مقاليد الحكم والعسكر مرحب بهم شعبيا.
لم تأت سردية وكالة القوات العسكرية على القرار السياسي مصادفة؛ إنما هي جوهر ثقافة هذه المؤسسات ومَن هم خلفها، والتي تحلم بأن تسود مهما كلف الأمر، بما في ذلك من خلال الحروب.. وهناك مَن يريد أن يحكم تحت ظلها وإن كان على حساب السكان والأرض والجيران، وليس نموذج نظام الـ 30 من يونيو/حزيران 1989 ببعيد، وغيرها من مراحل الدائرة الجهنمية.. ولم تختلف حتى المليشيات/الحركات التي تمرَّدت عليها عن هذه الرؤية.
ويحاولون أن يجعلوا من اليوم التالي تأكيد لـ المؤكَّد، وإعادة النموذج الذي فشل خلال الـ 70 عاماً (سيادة العسكر)، مع أنه غير جاذب لا على المستوى الدولي ولا حتى الإقليمي.. كما أن التحولات الجوهرية تحظى بنفس القدر من عدم الحماسة، وكذلك ما يسمى بـ “النموذج السوداني” (الشراكة الزائفة).. وأما الحل الذي يقوده سودانيون أمامه ترسانة اللاحوار.
ومع ذلك، لا يزال الباب مفتوحاً لتسوية تنفيذية، تضع الاختلافات قبل نقاط الالتقاء في سردية اليوم التالي، وهذا لمعظم القوى السياسية النشطة.. فالتجربة التاريخية بها الكثير من المحطات المضيئة بشموع المشروع الوطني، إن توفرت الإرادة لجعل الشعب في مقدمة الأولويات، لا مُتغيراً غير مرغوب في رأيه وغير معترف بسيادته.. وهذا مرهون بتركيبة الفاعلين الرئيسيين المنخرطين.
إن هذه المرحلة من تاريخ السودان ليست كسابقاتها، كما أن عامل التوقيت والتحرك المتسق مع المطالب الشعبية والمتفاعل مع التقاطعات الدولية، سوف يقود هذه التدخلات لتشكيل ملامح السلطة والحكم في الفترة الوجيزة المتاحة ويجعل من اليوم التالي انتصاراً للمتضررين من ويلات الحرب لا إقراراً بنتائجها.. والمؤشرات الحالية رمَت في تفاؤلنا خوفاً يمكن تخطيه بالعمل الجماعي.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الجمعة 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025
البريد: munzer.ppi.sd@gmail.com




