حسن أبو الريش..يكتب..الهلال الأحمر السوداني في زمن الحرب: عطاء إنساني في مواجهة المأساة
في أحلك اللحظات التي مرت بها البلاد، ومع اندلاع الحرب وما خلّفته من مآسٍ إنسانية ونزوح واسع وفقدان للأرواح وتدمير للمنازل والمؤسسات، برز الهلال الأحمر السوداني بوصفه أحد أبرز عناوين العطاء الإنساني والتضامن المجتمعي، حاملاً رسالة الرحمة والأمل وسط واقع بالغ القسوة، ومؤكداً أن العمل الإنساني يظل ضرورة لا تتوقف، مهما اشتدت الأزمات وتعقدت الظروف.
لقد فرضت الحرب تحديات استثنائية على المواطنين، إذ وجد كثيرون أنفسهم في مواجهة مخاطر النزوح وفقدان المأوى وصعوبة الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية. وفي ظل هذه الظروف، اضطلع الهلال الأحمر السوداني بدور إنساني مهم، من خلال جهود متطوعيه في الاستجابة للاحتياجات الطارئة، وتقديم المساعدات، والمشاركة في أعمال الإسعاف والإغاثة، ودعم المتضررين، والإسهام في تخفيف معاناة الأسر التي أنهكتها الحرب.
وتنبع أهمية هذه الجهود من طبيعة الرسالة التي يحملها الهلال الأحمر، وهي رسالة تقوم على الإنسانية والتطوع واحترام كرامة الإنسان، بعيداً عن الانتماءات السياسية والجهوية. فالمتضرر من الحرب يحتاج إلى من يمد إليه يد العون، والمصاب يحتاج إلى الإسعاف والرعاية، والنازح يحتاج إلى الأمان والمأوى والغذاء، والأسرة التي فقدت التواصل مع أحد أفرادها تحتاج إلى من يساعدها على استعادة الأمل والاطمئنان.ولم تكن مهمة المتطوعين سهلة؛ فقد عملوا في بيئات محفوفة بالمخاطر، وفي ظل صعوبات الحركة ونقص الإمكانات وتعطل الخدمات الأساسية في مناطق عديدة. ومع ذلك، ظل العمل التطوعي والإنساني حاضراً في مشهد الأزمة، مستنداً إلى روح المسؤولية والتكافل التي عُرف بها المجتمع السوداني. ويستحق هؤلاء المتطوعون كل التقدير لما يبذلونه من وقت وجهد، وما يتحملونه من أعباء في سبيل مساعدة الآخرين، في وقت يحتاج فيه الجميع إلى الحماية والمساندة.
إن توثيق تجربة الهلال الأحمر السوداني خلال الحرب لا يقتصر على استعراض الجهود الإغاثية، بل يمثل أيضاً اعترافاً بقيمة العمل الإنساني ودوره في حماية المجتمع من الانهيار أمام المآسي المتلاحقة. فالمساعدات التي تصل إلى أسرة متضررة، والإسعاف الذي يُقدَّم إلى مصاب، والدعم الذي يخفف عن نازح قسوة الطريق، كلها أعمال تعيد شيئاً من الأمل إلى النفوس، وتؤكد أن التضامن الإنساني قادر على إحداث فارق، حتى في أصعب الظروف.ومع تطلع السودان إلى التعافي وإعادة بناء ما دمرته الحرب، تبرز الحاجة إلى دعم قدرات الهلال الأحمر السوداني، وتوفير الموارد اللازمة لتمكينه من مواصلة رسالته، وتوسيع نطاق خدماته، وتعزيز برامج الإسعافات الأولية والاستعداد للكوارث، ودعم المجتمعات المتضررة، بالتعاون مع الجهات المختصة والشركاء في المجال الإنساني. كما تظل حماية المتطوعين والعاملين في المجال الإنساني، واحترام استقلالية العمل الإغاثي، من المتطلبات الأساسية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.إن الهلال الأحمر السوداني ليس مجرد مؤسسة لتقديم المساعدات، بل هو قيمة إنسانية تجسد معنى الوقوف إلى جانب الإنسان حين تضيق به السبل. وفي زمن الحرب، يصبح العطاء أكثر من مجرد عمل تطوعي؛ إنه موقف أخلاقي ومسؤولية وطنية ورسالة أمل.
وفي نهاية المطاف، ستظل تضحيات المتطوعين والعاملين في الهلال الأحمر السوداني صفحة تستحق التوثيق في سجل الصمود السوداني، ودليلاً على أن المحن، مهما اشتدت، لا تستطيع إطفاء جذوة الرحمة والتكافل في نفوس أبناء هذا الوطن. فالسودان، الذي يحتاج اليوم إلى تضميد جراحه وإعادة إعمار مدنه واستعادة الحياة الطبيعية لمواطنيه، يحتاج كذلك إلى ترسيخ ثقافة العمل الإنساني، وتقدير كل يد تمتد بالعون، وكل جهد يسهم في إنقاذ حياة، أو تخفيف معاناة، أو إعادة الأمل إلى إنسان أنهكته الحرب.
جهود تستحق التقدير والوفاء
إن الجهود الكبيرة التي يبذلها العاملون والمتطوعون في جمعية الهلال الأحمر السوداني جهود مقدرة، تنطلق من الإخلاص للعمل الإنساني والمحبة لهذا الشعب الذي يستحق الكثير، والذي حباه الله بوطن عظيم، ليظل منطلقاً لنصرة الحق وإرساء قيم العدل والكرامة الإنسانية.ومن هذا المنطلق، ظل همّ هذه الجمعية الفتية أن تؤدي رسالتها بإخلاص وتفانٍ، وأن ترتقي بعملها إلى أعلى مستويات الأداء الإنساني، وصولاً إلى كل من يحتاج إلى المساعدة، أينما كان.وكل التقدير للأستاذ أحمد الطيب سليمان، الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر السوداني، والدكتور عبد الرحمن بلال بالعيد، رئيس لجنة تسيير الجمعية، ولكل العاملين والمتطوعين الذين يواصلون أداء رسالتهم الإنسانية في ظروف بالغة الصعوبة. نسأل الله أن يحقق تطلعاتهم، وأن يتقبل منهم صالح الأعمال والجهود الكبيرة التي ظلوا يبذلونها في خدمة المواطنين وتخفيف معاناتهم.
وقفة أخيرة: الخرطوم تنهض من جديد
إن أعمال التأهيل التي شهدها مقر جمعية الهلال الأحمر السوداني، الواقع بشارع المك مع تقاطع شارع الجمهورية، وما صاحبها من جهد واهتمام، تعكس صورة مشرقة لما يمكن أن تكون عليه الخرطوم في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وتبعث برسالة أمل بأن العاصمة قادرة على استعادة ملامحها الحضارية ونهضتها العمرانية فالتحية لإدارة الجمعية التي تقدم، من خلال هذا العمل، نموذجاً يستحق التقدير، ويعزز الثقة في قدرة الخرطوم على العودة، بل والتطلع إلى مستقبل أفضل مما كانت عليه قبل الحرب.إن مشهد هذا المبنى وما يعكسه من اهتمام بالتأهيل والعمران يفتح الباب أمام تطلع مشروع إلى أن تكون المؤسسات والمباني والأبراج التي ستُشيَّد في الخرطوم مستقبلاً على مستوى يليق بمكانة العاصمة، وأن تقوم بينها روح من التنافس الإيجابي الذي يدفع نحو الإبداع والجمال والتميز العمراني.
فالخرطوم تستحق أن تعود في أبهى صورها، وأن تستعيد مكانتها عاصمةً نابضة بالحياة، بعد مشاهد الدمار والخراب التي خلّفتها الحرب، وما أحدثته مليشيا الدعم السريع الإرهابية ومن يقفون وراءها،وفق ما يراه الكاتب. إن إعادة التأهيل والبناء، واستعادة المؤسسات لعافيتها، يمثلان خطوة مهمة في طريق التعافي، ورسالة تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من آثار الدمار، وأن السودان قادر على النهوض والمضي قدماً بثبات وعزيمة.إن ما نشهده اليوم من جهود لإعادة التأهيل والبناء يمنح الأمل في غدٍ أفضل، ويؤكد أن السودان بدأ يستعيد عافيته بإرادة أبنائه، وأن مسيرة التعافي ستتواصل بمزيد من العمل والإصرار والتكاتف.والله خير حافظاً للسودان وأهله.




