
أحمد صديق ..يكتب..أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي
ما قام به السيد رئيس مجلس السيادة من تدخل مباشر لإعادة المؤسسة السودانية للنفط للقيام بدورها، وإلغاء قرار حظر استيراد بعض السلع الأساسية، لم يكن مجرد قرارات إدارية، بل كان استجابة لصرخة مواطن أثقلته الحرب ثم أثقلته القرارات.
أولاً: عودة المؤسسة السودانية للنفط.. تصحيح لخطيئة كبرى لقد كانت المؤسسة السودانية للنفط هي صمام الأمان للبلاد. مؤسسة قومية مهمتها تأمين احتياجات البلاد من المواد البترولية ومشتقاتها، منع التضارب، وتوحيد الأسعار، وضمان وصول السلعة للمواطن ثم امتدت إليها أيادٍ آثمة، بدوافع لا تخلو من الطمع وقصر النظر، فقامت بحلها تحت شعارات الإصلاح، فكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس. انفرط العقد، وتعددت الجهات المستوردة، وكل جهة تبيع بسعرها، ودخل المضاربون والسماسرة على الخط، فأصبح المواطن يعاني الأمرّين.. طوابير لا تنتهي، وندرة مصطنعة، وأسعار فلكية للجازولين والبنزين والغاز، انعكست مباشرة على تكلفة النقل والزراعة والكهرباء وكل شيء.
تدخل السيد رئيس مجلس السيادة لإعادتها لم يكن ترفاً، بل كان واجباً وطنياً. فلا يعقل أن تترك سلعة استراتيجية كالبترول، وهي عصب الحياة والاقتصاد والأمن، نهباً لأهواء التجار والمحتكرين. عودة المؤسسة تعني عودة الدولة لتمارس دورها، تعني استقرار الإمداد، ووحدة السعر، وقطع الطريق على التهريب والاحتكار وكما يقول المثل السوداني “عيب الزاد ولا عيب سيدو” .. فعيب أن تجوع البلاد وبترولها يباع في السوق الأسود، وعيب أن يعجز المواطن عن الحركة وموارده تنهب أمام عينه. وقد تحرك سيد البلاد ليصحح هذا العيب.
ثانياً: إلغاء حظر استيراد السلع الأساسية.. انتصار لحياة المواطن الأمر الثاني لا يقل أهمية، بل هو مرتبط بحياة المواطن مباشرة. قرار حظر استيراد بعض السلع الأساسية بحجة حماية المنتج المحلي، قرار نظري جميل في زمن السلم والاستقرار، لكنه كارثي في زمن الحربنحن في بلاد لا تزال تعاني ويلات حرب فرضت عليها، شتتت أهلها ما بين نازح في الداخل ولاجئ في الخارج. وعندما بدأ الناس يعودون إلى ديارهم، وجدوا أن لقمة العيش أصبحت مستحيلة.
وأوضح مثال هو دقيق الخبز. ارتفع سعر الرغيف حتى أصبحت “عيشتين لا تسد رمق طفل بألف جنيه”. ألف جنيه لطفل واحد! فكيف بأسرة من خمسة أو ستة أفراد؟ كيف يعيش الناس؟ألف جنيه لطفل واحد لا تكفيه ليومه، فكيف بأسرة من خمسة أو ستة أفراد تحتاج في اليوم الواحد إلى عشرين أو ثلاثين عيشة؟ أي ما يقارب عشرة إلى خمسة عشر ألف جنيه فقط للخبز الحاف، دون غموس أو ملاح. فأصبح رب الأسرة العائد إلى بيته المهدم يعمل طوال النهار ليجمع ثمن الخبز فقط، وإن جمع ثمن الخبز عجز عن ثمن الدواء، وإن وفر ثمن الدواء عجز عن رسوم المدرسة.
حظر السلع أدى إلى ندرة كبيرة، والندرة أدت إلى ارتفاع الأسعار أضعافاً مضاعفة، وفتح الباب واسعاً أمام المحتكرين والمضاربين الذين يتاجرون بقوت الناس. لا يستقيم أن نمنع الاستيراد ونحن لا ننتج ما يكفي، ولا يستقيم أن نضيق على المواطن في وقت أحوج ما يكون فيه إلى من يخفف عنه.
إن حماية المنتج المحلي تكون بتشجيع المزارع وتوفير المدخلات والكهرباء والوقود، لا بمنع الخبز عن أفواه الجياع. وفي المثل السوداني “البطون ما بتعرف القانون” .. فالجائع لا يهمه من أين جاء الدقيق، أكان مستورداً أم محلياً، يهمه أن يجد كسرة يسد بها رمق أطفاله لذلك جاء قرار السيد رئيس مجلس السيادة بإلغاء الحظر قراراً حكيماً وشجاعاً، أعاد الأمور إلى نصابها، وقدم مصلحة المواطن على الشعارات الجوفاء. فتوفير السلعة أولاً هو ما يخفض سعرها، ووفرتها هي ما تكسر احتكار التجار.
ختاماً:
ما حدث يؤكد أن الدولة عندما تستمع لنبض الشارع تصلح، وعندما تتدخل في الوقت المناسب تنقذ. نعم، أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي، ولكن نتمنى أن لا تتكرر مثل هذه الأخطاء التي يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.حفظ الله السودان وأهله، ورد كل نازح ولاجئ إلى داره آمناً مطمئناً، شبعاناً مستوراً.




