
د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..عدالة الموكب وفرحة الجياع: عندما تتحول هيبة السلطة إلى خادمٍ أمين للرعية
حين تتعاظم الأزمات وتستبدّ بالناس عتمة العجز، تتقزم الخطب وتتهاوى الأدبيات الباردة، ولا يبقى سوى دويّ الفعل الحقيقي الذي يزلزل الأرض تحت أقدام اليأس. وفي لحظة تاريخية نادرة، اخترق والي ولاية نهر النيل جدار الاستعلاء البيروقراطي، ليصدر توجيهاً مدوياً جعل من العربات الحكومية والقطارات طوق نجاةٍ يغمر الشارع بالعدل والرحمة، بعد أن كانت تلك المراكب الفارهة لا تزيد المغلوبين على أمرهم سوى لوعة وهمٍ وهي تتهادى أمام أعينهم بلا اكتراث. لقد كان نصيب المواطن منها طوال عقود خلت هو الحسرة حينما يراها تسير من أمامه أو خلفه، عابرةً فوق وجعه وعلى بقايا ألمه ، إلى أن جاء هذا الوالي الهمام ليمرّغ أنف البذخ الوظيفي في تراب الإنسانية، ويسخّر مقدرات الدولة لخدمة من تعبوا في هذه الأرض، ناقلاً إياهم من عتمة الطرقات وذلّ الزحام إلى سعة الفارهات الحكومية في الصباح والمساء.
إنه ليس تدبير إداري لعبور أزمة نقل، ولكنه هزة أرضية أخلاقية مزقت فاتورة المواصلات الباهظة التي كانت تنهب عرق الكادحين، وأنهت ذلك الرهق المُضني والوقوف الطويل على محطات الانتظار حيث يقتتل الناس على وميض أمل للظفر بمقعد. لقد تزلزلت معاني العزلة السلطوية وتهاوت أبراجها العاجية حين تنزل المسؤول لِيُخالط شعبه ويلمس جراحه بجرأة نادرة، فأعاد هذا الوالي صياغة معنى السلطة كخادم أمين لا كمتسلط مترف. وعندما يمتطي الطلاب وأسرهم تلك السيارات بعزة وكبرياء، فإنهم لا يعبرون مسافة معينة ، إنما يعبرون إلى فضاء الكرامة المصانة، مكللين بدعوات المغلوبين على أمرهم التي تصعد خاشعة لتملأ السماء رضا واطمئناناً.
هذا الزلزال الصحفي والوطني الذي أحدثه والي نهر النيل يجب ألا يمر مرور الكرام، بل ينبغي أن يتحول إلى صاعقة إيقاظ لكل ضمير حي ومشروع دولة راشد يرتكز على الإشفاق بالرعية وتأصيل معاني الحكم الرشيد، ليصبح أنموذجاً يحتذى به في كل شبر من البلاد، ولتظل مقدرات الأمة درعاً يحمي كرامة الإنسان لا سيفاً يقطع سبيله.




