اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..هندسة المستقبل: التفكير الاستراتيجي فريضة وطنية لبناء سودان ما بعد الحرب

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..هندسة المستقبل: التفكير الاستراتيجي فريضة وطنية لبناء سودان ما بعد الحرب

تخرج الأمم العظيمة من رماد الحروب ليس بمجرد ترميم ما انكسر، ولكن بإعادة ابتكار ذاتها وبناء قواعد جديدة للمستقبل. والسودان اليوم، وهو يقف على أعتاب مرحلة تاريخية حاسمة بعد كبوة الحرب الأليمة، لا يملك فسحة الارتجال أو المسكنات المؤقتة. إن النهوض من هذا الدمار يتطلب ثورة مفاهيمية جذرية في إدارة الدولة، تبدأ من فرض التفكير الاستراتيجي منهجاً ملزماً وعقيدة حيوية لإدارة الدولة وتنتهي بتطبيقه واقعاً .. فلا نهضة بلا تخطيط، ولا استقرار بلا رؤية تستشرف القادم وتتحكم في مساراته.

إن جوهر التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى يكمن في ترتيب الأولويات الوطنية وتوجيه الموارد نحو قطاعات تمثل عصب الوجود السوداني. وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي التعليم بشقيه العام والجامعي ، إذ لم يكن يوماً عملية تحصيل معرفي فقط ، إنما هو مصنع العقول وميدان صياغة الإنسان السوداني الجديد القادر على مواكبة تحديات العصر. كما يجب أن يتحول التعليم من التلقين إلى الابتكار، ليكون قاطرة التنمية الاستراتيجية.

وتوازياً مع العقل، يأتي القطاع الصحي كركيزة أساسية للأمن القومي؛ إذ لا يمكن لبناء تنموي أن يستقيم على جسد عليل. إن الاستثمار في نظام صحي مرن وفعال هو استثمار في طاقة الإنتاج البشرية.

وحين نتحدث عن الإنتاج، تبرز الزراعة كطوق النجاة الأوحد والضامن الحقيقي للسيادة الوطنية؛ فالسودان الذي يحمل لقبه التاريخي كسلة غذاء العالم، مطالب اليوم بتحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس عبر تكنولوجيا الزراعة الحديثة والأمن الغذائي المستدام، ليكون القطاع الزراعي هو المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني. فضلاً عن معادن نفيسة وثروات متعددة يفيض بها السودان في كثير من ولاياته ..

إن التخطيط للمستقبل بأدوات الماضي عقيم لا ينجب تنمية ولا يحقق رجاءاً .. لقد حان الوقت لتجاوز دوائر الاعتماد على أسماء بعينها تكررت في مشهد الإدارة الاستراتيجية دون إحداث الفارق المرتجى . إن السودان يزخر اليوم بثروة بشرية معطلة من الشباب حاملي شهادات الماجستير والدكتوراة . والذين عكفوا في غرف البحث العلمي على تشريح أزمات البلاد ووضعوا حلولاً علمية وتطبيقية مبتكرة.ومراكز وأكاديميات صممت لتنتج فكراً استراتيجياً هو عين ما نبغي .

لذلك يجب فتح الأبواب مشرعة لهؤلاء الشباب وهذا ليس من باب الاسترضاء،وإنما من باب المسؤولية الوطنية والاستحقاق الواجب . فالبحوث والرسائل العلمية الحبيسة في أدراج الجامعات هي النفط الحقيقي الذي يجب استخراجه لإنارة مسارات الإدارة التنموية.

ولكي لا يتحول التخطيط الاستراتيجي إلى مجرد شعارات براقة ولا تسمن ولا تغني من جوع ، يجب مأسسة هذا المفهوم ومنحه القوة التشريعية والتنفيذية العليا. فالضرورة الوطنية تقتضي ترفيع المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي إلى مؤسسة سيادية كاملة الدسم . مستقلة في قرارها، وتتمتع بصلاحيات تمكنها من إخضاع كافة خطط الوزارات والولايات لمعاييرها الصارمة. كما يجب أن تصبح هذه المؤسسة هي البوصلة السيادية التي تحرك مفاصل الدولة نحو الهدف الاستراتيجي العريض وتضمن استمرارية المشاريع عابرة الحكومات والأشخاص.

إن الحرب رغم قسوتها ومرارتها، تمنح السودان فرصة تاريخية للقطيعة مع عشوائية الماضي. وإن رفاهية الشعب السوداني الصابر الذي أنهكته الصراعات، ليست أمنية تُرتجى، ولكنها هدف استراتيجي يُصنع بالخطط العلمية والقرارات الشجاعة. فإذا أردنا سوداناً قوياً، شامخاً، وعادلاً، فلنجعل من التخطيط الاستراتيجي دستورنا الفعلي، ولنفسح المجال لعقول الشباب لتضع لبنات الوطن الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى