اعمدة ومقالات الرأى

د. أحمد عبدالله إسماعيل ..يكتب..حين تتقدم المصالح الضيقة على آلام الوطن: قراءة في جدل مؤتمر برلين ومستقبل السودان

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. أحمد عبدالله إسماعيل ..يكتب..حين تتقدم المصالح الضيقة على آلام الوطن: قراءة في جدل مؤتمر برلين ومستقبل السودان.

 

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان، تتجلى أزمة السلوك السياسي في أكثر صورها وضوحًا وقسوة، حيث تتقدم حسابات المصالح الضيقة على أنين الوطن، وتُقدَّم المكاسب الفردية على دماء ومعاناة الملايين. لم يعد هذا الخلل مجرد انطباع عابر، بل أصبح واقعًا يُقاس بمواقف علنية، خاصة في التعاطي مع المبادرات الدولية الساعية لتخفيف الكارثة الإنسانية، وفي مقدمتها مؤتمر برلين حول السودان.

لقد كشف الجدل الدائر حول المؤتمر عن حقيقة صادمة: ثمة قوى سياسية لا ترى في أي جهد دولي إلا بقدر ما يحقق لها من مكاسب مباشرة، فإن لم يفعل، سعت إلى تقويضه وتشويهه، حتى لو كان ذلك على حساب شعب يئن تحت وطأة الحرب والانهيار. إن حملات الهجوم الممنهجة، ومحاولات تضليل الرأي العام، ليست إلا تعبيرًا عن أزمة ضمير سياسي، وعجز عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية.

وفي المقابل، فإن القراءة الرصينة للمؤتمر تؤكد أنه يمثل نافذة أمل—وإن كانت محدودة—لتخفيف معاناة المواطنين، عبر حشد الدعم الدولي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وفتح مسارات للتعاون الإنساني والدبلوماسي. كما أنه يشكل منصة حيوية لعرض حجم الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون، ووضعها أمام الضمير العالمي، بما يدفع نحو تحريك آليات العدالة الدولية، ومساءلة مرتكبي الجرائم، ووقف ثقافة الإفلات من العقاب.

غير أن الأخطر من ذلك، هو انزلاق بعض مؤسسات الدولة—تحت وطأة الضغوط السياسية—إلى مواقف تفتقر إلى الحكمة والاتزان، خاصة في المجال الدبلوماسي. فبدلًا من توظيف هذه اللحظة لتعزيز العلاقات الدولية، وكسب ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين، تحولت بعض الخطابات إلى منصات للانفعال والاستقطاب، في وقتٍ يحتاج فيه السودان إلى دبلوماسية رصينة، واعية، ومخلصة للمصلحة الوطنية العليا.

إن قوة الدول لا تُقاس برفضها للمبادرات، بل بقدرتها على توظيفها بذكاء لصالح شعوبها. فالدبلوماسية ليست ساحة للمكايدات، بل أداة استراتيجية لبناء الشراكات، وتخفيف الأزمات، وتحقيق الاستقرار. ومن هذا المنطلق، فإن الانفتاح الواعي على أي جهد دولي—مهما كانت تعقيداته—يمثل تعبيرًا عن نضج الدولة، لا ضعفها.

ومع الإقرار بأن بعض المبادرات الدولية قد لا تخلو من الأجندات أو القصور، إلا أن التعامل معها يجب أن يكون بعقل استراتيجي لا بردود فعل عاطفية. فحتى الدعم المحدود يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في حياة مواطن يفتقد لأبسط مقومات البقاء، كما أن تسليط الضوء على الأزمة يسهم في تعبئة الإرادة الدولية نحو إعادة الإعمار، ودعم الانتقال المدني الديمقراطي، وتعزيز الاستقرار.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في مؤتمر أو مبادرة، بل في غياب مشروع وطني جامع يضع السودان فوق الجميع، ويعيد تعريف السياسة بوصفها خدمة عامة لا وسيلة للهيمنة أو الثراء. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يظل الشعب أسيرًا لصراعات النخب، أم ينتقل إلى مرحلة وعي تاريخي يفرض معايير جديدة للمساءلة والمحاسبة؟

إن الخروج من هذا النفق لا يتحقق بالشعارات، بل بثورة وعي حقيقية، تعيد ترتيب الأولويات، وتُسقط أوهام الزعامة الزائفة، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الإنسان السوداني هو الغاية والوسيلة، والعدالة هي الأساس، والوطن هو السقف الذي لا يُساوَم عليه.

ويبقى السؤال الذي لا يحتمل التأجيل:هل نترك مستقبل السودان رهينة لأصحاب المصالح الضيقة، أم ننهض بوعيٍ جمعيٍّ يعيد للوطن كرامته، وللشعب حقه في السلام والحرية والعدالة؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى