
د.إسماعيل الحكيم..يكتب..زلزال الكرامة.. هل ننتظر طوفاناً لنتطهر؟ (1 – 2)
أربع وعشرون ساعة ، (1440)دقيقة (84.400) ثانية تفصلنا عن الذكرى الثالثة لحرب الكرامة .. غداً، تطوي الحرب عامها الثالث، ويدخل السودان عاماً رابعاً من “التمحيص” الذي لا يرحم. ثلاث سنوات والموت يحصد أرواحنا، والجوع ينهش أمعاء صغارنا، والنزوح يذلّ جباه كرامنا. ثلاث سنوات ونحن نتقلب في آتون ابتلاءٍ ربانيٍ لم يترك باباً إلا طرقه، ولا قلباً إلا مزقه.
لكن، وبالرغم من فداحة الثمن، يبقى السؤال الذي يرتجف له الوجدان: **أما آن لهذه الأنفس أن تؤوب؟ أما آن لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟**
لقد حُوصرنا في مدننا وقرانا كما حُوصر النبي ﷺ في “شِعب أبي طالب”، أكلنا من شجر الصبر حتى أدمنت الشفاه المرارة، وبُلينا في الأنفس والثمرات حتى لم يبقَ لباكٍ دمع. ولكن، شتان بين من خرج من “الشِّعب” بصلابة الصحابة وعزم المؤمنين، وبين من لا يزال يقتات على فتات “الحرام” ويرقص على جراح الوطن بفرقةٍ لا تنتهي واختلافٍ لا يزول!
يا أهل السودان.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذه الحرب لم تكن وما كانت رصاص ودخان، بل كانت “زلزالاً مدوّياً” ليوقظ الضمائر التي ماتت في غمرة الجشع، وليهدم صوامع الكبر التي بنيناها في دواخلنا. وينزع الشر من الدواخل نزع الروح من الجسد ..
انظروا في مرآة الحقيقة ، هل طهرنا أرواحنا من دنس “الحرام في كل شئ” الذي كان سبباً في محق البركة من كل شئ؟ هل نبذنا تلك “الفرقة” المنتنة التي جعلت الجار يتربص بجاره، والأخ يكيد لأخيه؟ هل وعينا أخيراً حقيقة هذه الدنيا التي رأيناها تنهار أمام أعيننا في لحظة، فلم تغنِ عن أصحابها القصور، ولم تحمِهم الأموال؟
إن الابتلاء الرباني هو “مغتسلٌ بارد” للنفوس، فمن لم يتطهر اليوم بماء العفو والصفح والتجاوز، فمتى يتطهر؟ ومن لم يدرك أن الدنيا “لا تزن جناح بعوضة” بعد أن رأى الأعزة أذلة، فمتى يعي؟
إننا نقف اليوم على أعتاب السنة الرابعة، والوطن ينزف من وريده، فإما أن نعود إلى الله عودةً صادقة، نطهر فيها الخفايا ونوحد فيها القلوب على “النقاء”، وإما أننا لم نتعلم من الوجع إلا الأنين.
كفاكم مكابرة.. كفاكم فرقة.. كفاكم عبثاً بمصير أمةٍ كُتب عليها أن تُتبلى لتعز. اخلعوا عنكم أردية الأنانية، واغسلوا قلوبكم من سواد الحقد، فالنصر لا ينزل على قلوبٍ ممتلئة بالغل، والكرامة لا تُسترد إلا بنفوسٍ استردت صلتها بالسماء.
اللهم إنا نعوذ بك من عمى البصيرة بعد البلاء، ومن قسوة القلب بعد المصاب. اللهم نصرك الذي وعدت به عبادك الصالحين..




