تقارير وحوارات

​معاشيو السودان.. أرقام تآكلت وآلام تضاعفت..!!

كيف تعثرت ترتيبات موازنة 2026م بين بطء البيانات وبيروقراطية الصرف؟

​80 ألف جنيه لا تحمي المعاشيين من جحيم غلاء الأسعار

​المعاشيون يطالبون ببطاقة علاجية شاملة لتغطية الأمراض المزمنة مجاناً

​معاشي: زيادات الموازنة القومية مجرد قرارات حبيسة على الورق

​معاشيو دارفور وكردفان يواجهون انقطاع المستحقات وجحيم النزوح

​تأخر تحديث البيانات يعطل صرف زيادة المعاشات للشرائح القديمة

​معاشي نازح: نعيش جحيم الإيجارات وتوقف صرف مستحقاتنا

معلم بالمعاش: سنوات الخدمة والعطاء تبددت تماماً أمام الغلاء

​تقرير: رمضان محجوب

​مشاهد من الإنهاك والقلق تتجدد شهرياً على وجوه المعاشيين وهم يترقبون وصول الرسائل المصرفية التي لم تعد تحمل بين أرقامها الهزيلة سوى أوراق مالية يبدد قيمتها غول غلاء الأسعار قبل أن تلامس الأيدي. إذن، فواقع مئات الآلاف من الشيوخ والنساء الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص، أصبح يواجه بوناً شاسعاً بين المعاش الثابت وحدود الكفاف الضروري. وفي ظل بقاء المستحقات المالية القديمة على حالها دون تعديل يذكر، يجد المعاشي نفسه يخوض صراعاً يومياً مع تراجع القوة الشرائية، وسط تحذيرات متصاعدة من الكيانات النقابية بضرورة تدارك هذه الكارثة المعيشية التي تعصف بأصحاب الرعيل الأول وتدفع بهم نحو ضائقة مادية غير مسبوقة.

​ الصدمة الرقمية المعيشية

يقف المعاشي أمام نوافذ الصرف أو شاشات الهواتف يقلب الرسالة البنكية بحسرة مكتومة لا تلبث أن تتحول إلى تساؤلات حائرة حول كيفية إدارة متطلبات الأسرة؛ ففرحة تسلم المستحقات الشهرية لا تتعدى لحظات خاطفة قبل أن تستهلكها المحطة الأولى في السوق المحلي. وتشير البيانات الميدانية إلى أن المبالغ الفعلية التي تتلقاها الفئات القديمة أو غير المحدثة تراوح ما بين 37 ألفاً و80 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ متواضع جداً أمام حركة الأسعار المتصاعدة والالتزامات اليومية. هذا الوضع يدفع آلاف الأسر إلى دوامة البحث عن خيارات بديلة لاستدامة العيش وسط ضغوط اقتصادية معقدة تطال أصحاب الخدمات الطويلة في الدولة.

 صدمة الأرقام المعيشية

في حديثه لـ «العودة»، يقول المعاشي أحمد عوض الله (معلم متقاعد قضى 35 عاماً في الخدمة) إنه خدم في مجال التعليم لأكثر من ثلاثة عقود وخرج أجيالاً، لكنه يقف اليوم مذهولاً أمام رسالة البنك التي تخبره بأن معاشه لا يتجاوز 45 ألف جنيه سوداني، مضيفاً أن هذا المبلغ الهزيل لا يكفي لشراء الخبز والزيت لأسرته لأسبوع واحد في ظل ارتفاع الأسعار الحاد. ويؤكد الأستاذ أحمد أنهم يعيشون في حسرة يومية ويشعرون بمرارة كبيرة لأن سنوات الخدمة والعطاء تبددت أمام غول الغلاء الميداني الذي يطحنهم بلا رحمة، وأصبحت رحلة التوجه للسوق محطة للخيبة الخالصة؛ حيث تتبدد المستحقات بالكامل فور دخول أول متجر دون توفير الأدنى من احتياجات المنزل.

​ مرارة انكسار الاستقلالية

بينما تشير الأستاذة سعاد العبيد (موظفة سابقة بالخدمة المدنية) في إفاداتها لـ «العودة» إلى أن أصعب ما يمر به المعاشي هو لحظة التنازل المجبور عن استقلاليته المادية بعزة نفس، وتضيف بحسرة: «بعد أن كنت معيلة لبيتي وأدير شؤون أسرتي بأمان واقتدار، أصبحت اليوم أنتظر المساعدة المباشرة من الأبناء والأقارب لسداد فواتير الكهرباء والمياه وشراء الاحتياجات الأساسية». وتردف بألم: «هذا الانكسار النفسي أشد إيلاماً وقسوة من الفقر المالي ذاته، فنحن لم نطلب صدقة أو إعانة من أحد، بل نطالب بحقنا الأصيل والمشروع في معاش مجزٍ يضمن الكرامة ويوفر حد الكفاف». وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن تحول المتقاعد من موقع المنتج والمعيل إلى موقع المحتاج يمثل صدمة إنسانية تعصف باستقرار العائلة.

​ معركة فاتورة العلاج

من جانبه، يقول عثمان عبد العزيز (عامل متقاعد بالسكك الحديدية) لـ «العودة» إنه يعاني من السكري والضغط، وفاتورته الدوائية الشهرية تتجاوز 150 ألف جنيه سوداني، بينما معاشه المكتسب لا يغطي نصف هذا المبلغ، مشيراً إلى أن البطاقة التأمينية أصبحت مجرد ورقة رسمية لا تسمن ولا تغني، فالأدوية الفعالة غائبة تماماً عن مراكز التأمين الصحي وأنهم يضطرون لشرائها بأسعار حرة باهظة من الصيدليات التجارية. ويضيف بأنه في كثير من الأيام الأليمة يضطر آسفاً لتخفيض الجرعة الدوائية المقررة للنصف حتى يستطيع توفير لقمة العيش لأحفاده الصغار؛ فتحولت الرعاية الصحية من حق طبيعي إلى معركة يومية يضحون فيها بصحتهم لتوفير الغذاء.

​ مضاعفة آلام النزوح

وفي استطلاع أجرته «العودة» مع المعاشيين النازحين، يروي الفاضل حاج علي (معاشي نازح من كردفان) مأساته بقوله: «فقدنا منازلنا واستقر بنا المطاف في منزل مؤجر بمدينة أخرى بأرقام فلكية يطالبنا بها الملاك في بداية كل شهر. وفوق كل هذه المعاناة، نواجه صعوبات بالغة في استلام مستحقاتنا نقداً بسبب توقف المنافذ المصرفية العاملة وتلف ملفات الخدمة نتيجة ظروف الحرب في بعض الولايات. ونعيش نزيفاً مالياً ونفسياً مضاعفاً يجمع بين مرارة النزوح وجحيم انقطاع المعاش». ويضيف: «أصبحت تلبية إيجار السكن وتوفير مصاريف الإعاشة معضلة مستحيلة في ظل غياب المعالجات الحكومية المباشرة والميسرة لنقل الصرف المالي لكافة الولايات الآمنة بشكل عاجل».

​ احتجاز الحقوق الرسمية

وفي سياق متصل، يلفت الحاج عبد المحمود (معاشي حكومي) في حديثه الخاص لـ «العودة» بالقول: «نسمع عبر وسائل الإعلام عن زيادات الموازنة القومية لعام 2026م وتخصيص المليارات لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 425 ألف جنيه وإقرار علاوة الـ 80 ألفاً، ولكن على أرض الواقع الميداني لم يصلنا شيء سوى المبالغ القديمة المتدنية. البيروقراطية وتعثر تحديث البيانات بين الاتحاد والمنافذ المصرفية يحتجزان حقوقنا المستحقة، بينما الأسعار المتصاعدة في الأسواق لا تنتظر بطء المعاملات الورقية». ويضيف عبد المحمود: «كل يوم يمر دون تنفيذ وتطبيق هذه الزيادات والمنح يعيد إنتاج الفقر لكبار السن، ويجعل الموازنة الجديدة مجرد قرارات على ورق لا تغير من واقعنا المعيشي».

​ فجوة أرقام الموازنة

وتظهر القراءة التحليلية للمستندات المعيشية تبايناً بين النصوص الرسمية والممارسة الميدانية؛ إذ أقرت ترتيبات موازنة الدولة لعام 2026م اعتمادات مالية بلغت 15 مليار جنيه سوداني لزيادة المرتبات والمعاشات بنسبة 100%، وتضمنت الموازنة رفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات ليصل إلى 425 ألف جنيه سوداني، فضلاً عن تخصيص علاوة شهرية بقيمة 80 ألف جنيه للمعاشيين المدنيين والعسكريين والأجهزة العدلية. وعلى الرغم من حزمة الأرقام المعلنة، فإن تأثيرها المباشر لم يلامس كافة الشرائح بنفس القدر نتيجة تفاوت درجات التقاعد والإجراءات الإدارية التي تستغرق وقتاً طويلاً لتعديل الشرائح القديمة.

​ فاتورة العلاج الباهظة

ولا تقف حدود المعاناة عند «قفة الملاح»، بل تتعداها إلى الرعاية الصحية التي باتت تشكل عبئاً كبيراً على كبار السن؛ حيث يواجه أغلب المعاشيين أمراضاً مزمنة كالضغط والسكري وأمراض القلب مما يتطلب متابعة علاجية مستمرة، في وقت تراجعت فيه التغطية الدوائية المباشرة عبر منافذ التأمين الصحي الرسمي، مما يجبر المرضى على اللجوء للصيدليات الخاصة بالأسعار السائدة. وتزداد هذه المشكلة تعقيداً في ولايات دارفور وجنوب وغرب كردفان نتيجة لتطورات الحرب التي أدت لتعطل بعض المراكز التأمينية وشلل شبكات التواصل المصرفي، مما يحرم كثيراً من المعاشيين هناك من تسلم حقوقهم نقداً أو الاستفادة من العلاج الدوري.

​ أزمة مأوى ونزوح

وتتشابك الضغوط المادية بشكل أعمق لدى المعاشيين الذين يسكنون وأسرهم في منازل مستأجرة؛ حيث تشهد أسعار الإيجارات قفزات غير متناسبة مع دخل المعاش المالي، مما يهدد بعض الأسر بعدم القدرة على الإيفاء بالتزامات المأوى. ولا تسلم الأسر التي تملك منازلها الخاصة من ضغط فواتير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والمصروفات المحلية. أما الفئات التي اضطرتها ظروف الحرب للنزوح والابتعاد عن مناطقها الأصلية، فإنها تعيش وضعاً استثنائياً في مراكز الإيواء أو البيوت المؤجرة بأرقام تفوق قدراتها المالية بمراحل.

​ تعثر إداري وتكافلي

وتكشف المتابعات الإدارية داخل أروقة صناديق التأمينات والاتحادات المعنية عن بطء يتصل بآليات تحديث البيانات وفقدان بعض ملفات الخدمة بالولايات التي عاشت ويلات الحرب، مما تسبب في تأخير تسوية المتأخرات والمنح لعدد غير قليل من المعاشيين. وأمام هذا العجز الإجرائي الرسمي، برزت المبادرات المجتمعية والتكايا والجمعيات الخيرية كعامل مساند لتوفير الدعم الغذائي والعلاجي الطارئ؛ إلا أن القائمين على هذه المبادرات يشددون على أنها تدابير إسعافية وقتية لا يمكن أن تعوض الحقوق القانونية والرسمية للمتقاعدين.

حماية كرامة المعاشي

عموماً.. تستدعي الأوضاع المعيشية الحالية تحركاً عاجلاً من الدولة يضع حقوق المعاشيين في مقدمة الأولويات التنفيذية. ويتطلب ذلك تسريع آليات تطبيق الموازنة القومية لعام 2026م وصرف علاوة الـ 80 ألف جنيه وتعميم الحد الأدنى الجديد (425 ألف جنيه) دون تسويف، مع إيجاد حلول مصرفية مبتكرة وميسرة لوصول المستحقات المالية للمستفيدين بالولايات المتأثرة أمنياً. كما يظل إصلاح ملف التأمين الصحي وتوسيع قائمته العلاجية لتشمل الأدوية التخصصية كلياً خطوة أساسية مهمة لضمان حياة كريمة وآمنة للرعيل الأول الذي أفنى عمره في خدمة الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى