
متابعات: الرسالة نيوز
بمرور ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، يقف الوطن أمام مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخه الحديث، حرب اتسمت باستخدام واسع وممنهج للقوة المفرطة، واستهداف مباشر للمدنيين، وارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ونتج عنها تدمير شامل للممتلكات العامة والخاصة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتقويض منظومة القيم الوطنية التي شُيّدت على مدار أجيال من التضحيات والمسؤولية التاريخية.
إن هذه الحرب لم تكن حدثًا مفاجئًا أو معزولًا عن السياق، بل تمثل نتيجة حتمية لتراكم طويل من الفشل البنيوي في إدارة الدولة، وغياب الحكم الرشيد، وانعدام المساءلة، والتساهل المنهجي مع العنف والإفلات من العقاب، إلى جانب ممارسات سياسية أُديرت خارج الإرادة الشعبية وفي تضاد واضح مع المصلحة الوطنية، ما أدى في نهاية المطاف إلى انفجار الصراع وتحميل المواطن السوداني كلفة إنسانية باهظة تمثلت في القتل والتشريد وانتهاك الكرامة الإنسانية على نطاق واسع.
وبعد ألف يوم من المعاناة المتواصلة، لا يزال السودان يرزح تحت وطأة ذات السياسات المختلة والمقاربات القاصرة التي قادت إلى هذه الكارثة، في ظل استمرار التشظي الوطني وتكرار الأخطاء ذاتها، الأمر الذي يعكس غيابًا مقلقًا للاستخلاص الجاد من دروس الحرب، ويهدد بإدامة دائرة العنف وعدم الاستقرار وتقويض فرص السلام المستدام.
إن أخطر ما يواجه السودان في هذه المرحلة لا يقتصر على استمرار الأعمال العدائية، بل يتمثل في محاولات تطبيع المأساة، وتغييب الذاكرة الوطنية، واستبدال الحقيقة بخطاب سياسي انتهازي، وترويج تسويات هشة تقوم على النسيان بدل العدالة، وهو مسار من شأنه إعادة إنتاج الصراع وتقويض أي مسعى حقيقي لبناء دولة مستقرة وقائمة على سيادة القانون.
وتؤكد منظمة مشاد أن الخروج من هذا الواقع الكارثي يتطلب إرادة وطنية صلبة تقطع مع منطق الصفقات والتحالفات قصيرة الأمد التي لم تنتج سوى مزيد من الدمار، وتتبنى مسارًا واضحًا نحو سلام عادل وشامل يعالج الجذور الحقيقية للنزاع، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام الحقوق والحريات الأساسية، وضمان المساواة الكاملة بين جميع المواطنين دون تمييز.
كما تشدد المنظمة على أن العدالة ليست خيارًا سياسيًا خاضعًا للتوازنات أو المساومات، بل التزام قانوني وأخلاقي لا غنى عنه لتحقيق السلام والاستقرار، وأن كل من دعم أو موّل أو حرّض أو شارك في هذه الحرب يتحمل المسؤولية الفردية والمؤسسية الكاملة عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ولا يجوز تحت أي ذريعة إعادة تدوير الجناة أو منحهم شرعية سياسية أو تقديمهم كأطراف سلام في ظل غياب المساءلة وجبر الضرر وإنصاف الضحايا.
وتجدد منظمة مشاد التزامها الثابت بالعمل مع الضحايا والناجين والشرفاء من أبناء الوطن، ومع الآليات الإقليمية والدولية ذات الصلة، من أجل إنهاء الحرب، وضمان حماية المدنيين، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب ويحفظ كرامة الإنسان السوداني وحقه في العدالة والعيش الآمن.
إن دماء السودانيين ليست مادة للتفاوض السياسي، ومعاناة الضحايا ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، ومستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على النسيان أو التسويات المؤقتة، بل على الحقيقة والمساءلة والعدالة الانتقالية وبناء دولة تحترم الإنسان وتصون الحقوق وتؤسس لسلام دائم قائم على الكرامة والمواطنة وسيادة القانون.




