
د. صلاح دعاك..يكتب ..العلم بين ذاكرة التأريخ و انصاف الحضارات
كلما دار الحديث عن التقدم العلمي الحديث، يتكرر على مسامعنا خطاب يُصوّر الحضارة الإنسانية وكأنها بدأت من أوروبا الحديثة وحدها، وكأن بقية الأمم لم تكن سوى متفرج صامت على مسيرة المعرفة. وفي مقال سابق تحدثنا عن أمانة البحث العلمي، وأن الغاية من البحث ليست تغيير الحقائق أو تطويع التاريخ لأسباب غير علمية، بل تثبيت الحقائق وتعزيزها، سواء في الطب أو التاريخ أو الجغرافيا أو غيرها من العلوم. غير أن بعض الدراسات والكتابات الحديثة كرّست، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لفكرة أن الحضارة بدأت من الغرب وحده، متجاهلة حضارات عريقة كان لها أثر بالغ في تشكيل المعرفة الإنسانية، مثل الحضارة الإسلامية، وحضارات الشرق القديم عند النهر الأصفر، وحضارة المايا، ووادي النيل، وكوش ، وغيرها من الحضارات التي أسهمت في بناء الوعي البشري منذ آلاف السنين.
والحقيقة أن الحضارة الإسلامية لم تكن حضارة وعظ ديني أو شعر وأدب فقط كما يُصوَّر أحيانًا، بل كانت حضارة علم وتجريب واكتشاف. ففي زمن كانت فيه أمم كثيرة تعيش اضطرابات سياسية وفكرية، كانت بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة تعج بالمكتبات وبيوت الحكمة وحلقات العلماء، وكانت حركة الترجمة والبحث والتأليف تسير بوتيرة مذهلة، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية واحدة من أهم الجسور التي عبرت من خلالها المعرفة القديمة إلى العالم الحديث.
لقد أسهم العلماء المسلمون في الطب والفلك والرياضيات والهندسة والكيمياء والبصريات والجغرافيا والزراعة والاقتصاد، وتركوا تراثًا علميًا ضخمًا تُرجم إلى اللاتينية، ثم أصبح لاحقًا جزءًا من الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية الحديثة. ولم يكن ذلك مجرد نقل للعلوم القديمة، بل كان تطويرًا وإضافة وابتكارًا حقيقيًا.
ومن أبرز الأمثلة التي يكثر حولها الجدل ما يتعلق بالعالم الفلكي ابن الشاطر، الذي سبق نيكولاس كوبرنيكوس بقرون في طرح نماذج فلكية تتعلق بحركة الكواكب ومركزية الشمس. وقد أشار عدد من الباحثين الغربيين، من بينهم ديفيد كينج، إلى التشابه الكبير بين نماذج ابن الشاطر والنماذج التي ظهرت لاحقًا عند كوبرنيكوس، بينما لفت الباحث الأمريكي نويل سويردلو إلى تطابق بعض النماذج الرياضية المتعلقة بكوكب عطارد بصورة يصعب تجاهلها. ولم يكن هذا التطور الفلكي معزولًا عن أدوات الرصد والملاحة، فالمسلمون طوّروا الأسطرلاب وأضافوا إليه إضافات علمية مهمة، كما أسهمت البوصلة في إحداث نقلة كبرى في الملاحة البحرية والاستكشاف.
وفي الطب، كان للحضارة الإسلامية أثر بالغ العمق. وفي كليات الطب، خاصة في جامعة أفريقيا العالمية، يُحرص على تدريس تاريخ الطب للطلاب الجدد، إيمانًا بأن الطالب كلما غاص في أعماق التاريخ العلمي لتخصصه، تفتحت أمامه أبواب المستقبل بصورة أوسع، وأصبح أكثر قدرة على ترك بصمته الخاصة في المجال الذي يدرسه. وأذكر هنا البروفيسور عبدالمجيد عثمان زميلنا في كلية الطب ، الذي كان شديد الحرص على ان يعرف الطلاب تأريخ الطب ، وقد توفاه الله الأسبوع الماضي، نسأل الله له الرحمة والمغفرة.
ومن أبرز أعلام الطب ابن سينا، الذي يُعد كتابه القانون في الطب واحدًا من أعظم الكتب الطبية في التاريخ. ففيه وصف ما يشبه التنبيب الرغامي، أي إدخال أنبوب في الحلق للمساعدة على التنفس في الحالات الحرجة، وهو الإجراء الذي نُسب لاحقًا للطبيب البريطاني ويليام ماكوين في القرن التاسع عشر. كما وصف بدقة ما يُعرف اليوم بكسر “بينيت” في قاعدة الإبهام، وتحدث عن فكرة تأخير تجبير بعض الكسور حتى تخف التورمات والالتهابات، وهي مبادئ لا تزال معروفة في الممارسة الطبية الحديثة.
أما علي بن عيسى الكحال، أحد أشهر أطباء العيون في الحضارة الإسلامية، فقد تناول في كتابه تذكرة الكحالين أمراض الشرايين الصدغية وتأثيرها على البصر، في وصف يقترب كثيرًا مما عُرف لاحقًا في الطب الحديث على يد جوناثان هيتشنسون.
وفي الرياضيات، بقيت بصمات العلماء المسلمين حاضرة حتى وإن غابت أسماؤهم عن كثير من المناهج الحديثة. فقد عالج ابن الهيثم مسائل رياضية معقدة ظهرت لاحقًا في أوروبا، كما سبق العالم المسلم محمد الكرخي ما يُعرف اليوم بـ مثلث باسكال بقرون طويلة ضمن أعماله في الجبر والحساب. أما جابر بن حيان فقد أحدث ثورة حقيقية في الكيمياء التجريبية، حتى عُدّ من الآباء المؤسسين لهذا العلم، وكانت تجاربه في التقطير والتبخير وتحضير الأحماض أساسًا لما عُرف لاحقًا بالكيمياء الحديثة.
وفي الجراحة، يبرز اسم أبو القاسم الزهراوي باعتباره واحدًا من أعظم الجراحين في التاريخ. ففي موسوعته الطبية التصريف لمن عجز عن التأليف وصف عددًا هائلًا من العمليات والأدوات الجراحية بدقة مذهلة. وقد تحدث عن مرض السل الفقري الذي نُسب لاحقًا إلى الطبيب البريطاني برسيفال بوت، كما شرح وضعيات جراحية لا تزال معروفة حتى اليوم، بينها الوضعية التي نُسبت لاحقًا إلى الجراح الألماني فريدريش ترندلينبورغ، ووصف طرق علاج خلع الكتف قبل قرون من الجراح السويسري تيودور كوخر.
وامتدت هذه الإسهامات إلى علم التشريح، حيث ألّف منصور بن إلياس كتابه تشريح بدن الإنسان قبل ظهور أعمال أندرياس فيزاليوس بقرون، متضمنًا رسومات تشريحية دقيقة يرى بعض الباحثين أنها أثرت في تطور علم التشريح الأوروبي.
وفي الفيزياء والبصريات، قدّم ابن الهيثم إضافات غيّرت فهم البشرية لطبيعة الضوء والرؤية، حتى اعتبره كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي للمنهج العلمي التجريبي. وقد تناول مبدأ انتقال الضوء بأقصر المسارات، وهو المفهوم الذي ارتبط لاحقًا باسم العالم الفرنسي بيير دي فيرما. كما أسهم في تطوير فكرة “القُمرة” التي أصبحت لاحقًا الأساس الذي بُنيت عليه الكاميرا الحديثة، مع تطور العدسات وفهم ظاهرة انعكاس الضوء.
ولم يقتصر الإبداع الإسلامي على العلوم الطبيعية فقط، بل امتد إلى الموسيقى والفنون. فآلة القانون الشرقية، المعروفة بتعقيدها ودقتها، أثرت في تطور عدد من الآلات الموسيقية الغربية، ويرى بعض الباحثين أن تطويرها داخل صناديق خشبية وإضافة المفاتيح إليها كان من المراحل التي قادت إلى ظهور البيانو الحديث. كما أن آلة العود التي طوّرها زرياب أصبحت أصلًا لكثير من الآلات الوترية الأوروبية.
أما فخر الدين الرازي وثابت بن قرة فقد ناقشا مفاهيم تتعلق بالحركة والجاذبية قبل إسحاق نيوتن بقرون طويلة، في إطار علمي وفلسفي يعكس محاولات مبكرة لفهم قوانين الطبيعة. كما شرح كمال الدين الفارسي ظاهرة قوس قزح وتحلل الضوء قبل التفسيرات الأوروبية الحديثة بوقت طويل.
وفي الجغرافيا والملاحة، قدّم الحسن المراكشي أعمالًا متقدمة في تحديد المواقع باستخدام خطوط الطول ودوائر العرض، وأسهم علماء مسلمون آخرون في تطوير أدوات الملاحة البحرية والفلكية التي ساعدت لاحقًا في الكشوف الجغرافية الكبرى. وهذا يعيد طرح التساؤلات حول مفهوم “الاكتشاف” ذاته، خاصة فيما يتعلق بما يُسمى بالعالم الجديد. فالقارة الأمريكية لم تكن أرضًا مجهولة، بل كانت مأهولة بالسكان الأصليين منذ آلاف السنين، وهناك روايات تشير إلى وصول بحارة مسلمين أو عرب إلى بعض سواحلها قبل رحلات كريستوفر كولومبوس، خاصة مع التزامن التاريخي بين سقوط الأندلس واتجاه الرحلات الأوروبية غربا لاكتشاف امريكا ،
والأمر نفسه ينطبق على كثير مما سُمّي بالاكتشافات الأوروبية في أفريقيا، مثل البحيرات والشلالات التي كانت معروفة لسكانها المحليين منذ قرون طويلة، لكن أعيدت تسميتها بأسماء حديثه ( مثل تانا و فيكتوريا ) وربطها برحلات المستكشفين الأوروبيين، وكأن التاريخ يبدأ فقط عندما يكتبه الغرب.
ولم تتوقف الإسهامات الإسلامية عند العلوم الطبيعية، بل امتدت أيضًا إلى الاقتصاد والاجتماع. فقد تحدث أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين عن تقسيم العمل وترابط الحرف والصناعات بصورة تشبه ما عُرف لاحقًا في كتابات آدم سميث. واستخدم أمثلة دقيقة حول صناعة الخبز والإبرة ليشرح الترابط الاقتصادي بين المهن والمنتجين، وهي أفكار تُعد من الأسس المبكرة للاقتصاد الحديث.
وفي الزراعة والبيئة، وضع أبو حنيفة الدينوري دراسات واسعة حول النباتات والمراعي ورعاية الحيوانات، و ما كتبه بن خلدون في علم الاجتماع يعتبر داعما لكثير من النظريات علم الاجتماع حتي اليوم ، بينما تناول علماء مسلمون تصنيف التربة وخصائصها قبل ظهور علوم التربة الحديثة في أوروبا بقرون طويلة.
كما لا يمكن الحديث عن ازدهار الحضارة الإسلامية دون التوقف عند بيت الحكمة، ذلك الصرح العلمي العظيم الذي كان واحدًا من أهم مراكز المعرفة في التاريخ. فقد ازدهرت فيه حركة الترجمة من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية، ولم يكتفِ العلماء المسلمون بحفظ علوم الأمم السابقة، بل أعادوا صياغتها وتطويرها وأضافوا إليها معارف جديدة أصبحت لاحقًا جزءًا من التراث الإنساني العالمي.
لقد كانت بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة، إلى جانب حضارات وادي النيل وكوش، مراكز إشعاع علمي يوم كانت أوروبا تعيش عصورها المظلمة. غير أن استحضار هذه الإسهامات لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب انفعالي أو إلى صراع حضارات، فالعلم بطبيعته تراكمي، تتشارك فيه الإنسانية كلها، وكل حضارة تبني على ما سبقها وتضيف إليه.
لكن الإنصاف العلمي والتاريخي يقتضي الاعتراف بأن الحضارة الإسلامية كانت أحد الأعمدة الكبرى التي قامت عليها النهضة الحديثة، وأن كثيرًا من الأفكار التي نُسبت لاحقًا إلى علماء أوروبيين كانت لها جذور أقدم في مؤلفات العلماء المسلمين والعرب. وربما تكمن المشكلة الحقيقية اليوم في أننا لا نقرأ تراثنا العلمي كما ينبغي، ولا نقدمه للأجيال الجديدة بصورة علمية رصينة بعيدة عن المبالغة أو التعصب.
فالحضارات العظيمة لا تُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، وإنما بالقدرة على تحويل ذلك الإرث إلى دافع لإنتاج معرفة جديدة تسهم في نهضة الحاضر والمستقبل. إن أمتنا لا تحتاج فقط إلى استعادة أمجاد التاريخ، بل تحتاج قبل ذلك إلى استعادة روح البحث، وروح الاكتشاف، وروح الإيمان بأن العلم جزء أصيل من رسالتها الحضارية والإنسانية.



