
فائز عبدالله.. يكتب..من منصة الشاشة اوربا تخسر وروسيا ..تنتصر
حين انتصرت موسكو دون أن تدخل باريس.. الاستنزاف الكبير لم تكن الحرب في أوكرانيا حرب دبابات وصواريخ فحسب، كانت في جوهرها حرب أعصاب طويلة، حرب مَن يصرخ أولاً من الألم. وقد صرخت أوروبا قبل غيرها ومن يقرأ المشهد الأوروبي اليوم لا يحتاج إلى كثير تحليل ليفهم أن روسيا لم تكن تقاتل في خاركيف ودونيتسك فقط، بل كانت تقاتل في مطبخ كل أسرة فرنسية، وفي فاتورة الكهرباء لكل مصنع ألماني، وفي طابور الخبز لكل مواطن بلجيكي.
المشهد الأول: أوروبا التي باعت الدفء لعقود، كانت أوروبا قارة دافئة برخص الغاز الروسي. كانت المصانع الألمانية تعمل ليل نهار لأن أنبوب الغاز القادم من سيبيريا لا ينقطع. ثم جاء القرار الانتحاري: قطع الحبل السري مع موسكو وسقطت واردات الغاز الروسي من 137 مليار متر مكعب إلى 18 مليار. 87% من الطاقة الرخيصة تبخرت. فارتفعت فاتورة الكهرباء في بريطانيا لتصبح ضعف فاتورة جارها الأوروبي، وارتفع الغاز 60%، وبدأت أوروبا تشتري الغاز المسال الأمريكي بأربعة أضعاف سعره، تدفع ثمن ولائها من قوتها ولقد قالها المستشار الألماني الأسبق بمرارة: أوروبا هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب بعد أوكرانيا. صدق.
المشهد الثاني: الشيك المفتوح تتباهى بروكسل بأنها قدمت 177.5 مليار يورو دعماً لأوكرانيا. الرقم الحقيقي مع تكلفة اللاجئين يتجاوز 330 مليار يورو حتى أغسطس 2025. 100 مليار كل عام تحترق خارج القارة 65 مليار منها سلاح خرج من مخازن الجيوش الأوروبية ولن يعود. ترسانة فرغت، ومصانع سلاح لا تستطيع التعويض قبل سنوات. حتى محاولة السطو على الأصول الروسية المجمدة فشلت، لأن شركة يوروكلير البلجيكية خافت من أن تُلاحق قضائياً. فشلت خطة الـ 100 مليار دولار سندات. بقيت الخزينة الأوروبية وحدها في مواجهة الحفرة وأمام أكبر عملية استنزاف لوجستي في تاريخ الاتحاد الأوروبي الحديث.
المشهد الثالث: الشارع الذي لم يعد صبوراً هنا يكمن الانتصار الروسي الأدبي والسياسي في الغذاء ارتفع 34% في كل أوروبا، 57% في المجر، 124% أسعار السكن في البرتغال. 71% من الأوروبيين غيروا عاداتهم الشرائية، و35% سحبوا من مدخراتهم ليدفعوا الفواتير. التضخم عاد ليقفز إلى 3.1% والبنك المركزي الأوروبي نفسه يخسر 1.25 مليار خرج الشارع:في فرنسا نصف مليون غاضب يهتفون “أموال للمدارس لا للحرب” في بروكسل غاز مسيل للدموع ضد مزارعين يطالبون بلقمة العيش في لشبونة عشرات الآلاف يبكون بيوتهم التي لم يعودوا قادرين على استئجارها لقد فهم المواطن الأوروبي البسيط المعادلة التي حاولت حكومته إخفاءها: كل صاروخ يُرسل إلى كييف، هو رغيف يُسحب من مائدته.
الخلاصة:—
روسيا لم تحتج أن ترفع علمها فوق برج إيفل. كانت أكثر ذكاءً. جعلت أوروبا ترفع الراية البيضاء في وجه غلاء المعيشة ولقد انتصرت موسكو في الحرب التي لا تُرى: حرب إفراغ الجيوب، وكسر الصبر، وتحويل الحليف إلى عبء وهذا هو أخطر أنواع الهزائم، الهزيمة التي تأتي وأنت تظن أنك تدعم المنتصر.




