اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..سفريات مدير الموانئ البحرية.. من يحاسب فاتورة الدولار

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..سفريات مدير الموانئ البحرية.. من يحاسب فاتورة الدولار؟

 

من يمنح المسؤول حق السفر، ومن يسأله عن الفاتورة، ومن يحاسب إن لم يتحول الإنفاق إلى إنجاز؟ هنا تبدأ القضية مع المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، المهندس جيلاني محمد جيلاني، في ظل تعدد رحلاته الخارجية والأسئلة المشروعة حول تكاليفها وعائدها. لسنا أمام اعتراض على السفر في حد ذاته، بل أمام استحقاق رقابي لا يجوز تعطيله: حين تُنفق أموال مؤسسة وطنية، يصبح كشف الجدوى واجبًا إداريًا، لا منّة من المسؤول، ويصبح الإنجاز معيار التقييم، لا عدد الرحلات ولا صور الاجتماعات الموانئ لا تتطور بجوازات السفر، ولا تُقاس كفاءة الإدارة بعدد المطارات التي تعبرها. إذا كانت الرحلات تستهدف استقطاب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتحديث المعدات، وبناء الشراكات، فأين النتائج؟ وما الاتفاقيات التي دخلت حيز التنفيذ؟ وما العائد الذي تحقق؟ وكم بلغت التكلفة الإجمالية؟ هذه أسئلة مهنية تمس إدارة مرفق استراتيجي، ولا يجوز اختزالها في دفاع عن المسؤول أو هجوم عليه. المطلوب بيانات معلنة، تقارن النفقات بالمخرجات، وتضع كل رحلة أمام اختبار الجدوى وفي بلد يواجه أزمة اقتصادية حادة، لا يمكن فصل إدارة المؤسسات العامة عن مسؤوليتها في ترشيد الموارد. فالموانئ البحرية ليست مرفقًا هامشيًا؛ إنها شريان للتجارة والإمدادات والإيرادات، وأي تعثر في كفاءتها ينعكس على حركة السلع وتكاليفها، ومن ثم على المواطن الذي يدفع ثمن الاختلالات في نهاية السلسلة. لذلك، فإن السؤال عن كلفة السفر ليس تفصيلًا إداريًا، بل جزء من مساءلة أوسع عن الأولويات: هل يتقدم الإنفاق على التنقلات بالقدر نفسه الذي يتقدم به الإنفاق على التطوير والصيانة وتحسين الخدمات؟

ثم هناك العاملون، الذين تُقدّر أعدادهم، وفق الأرقام المتداولة، بنحو 14 ألفًا. ما وضع مستحقاتهم وحوافزهم؟ وما مستوى السلامة المهنية والتدريب وفرص الترقي؟ وما الذي انعكس فعليًا على بيئة العمل والإنتاجية؟ لا تكفي الأرقام المتداولة وحدها للحكم على أوضاعهم، لكن حجم القوة العاملة يجعل الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورة إدارية واجتماعية. فالتطوير الذي لا يظهر في أداء الميناء ولا ينعكس على ظروف العاملين يظل بحاجة إلى مراجعة تقيس الفارق بين الخطة والواقع ولا تقل المسؤولية المجتمعية أهمية عن ملف السفر. فما المبالغ التي خُصصت لها؟ وما أسس اختيار المشروعات والمستفيدين؟ وما النتائج التي يمكن قياسها؟ الشفافية هنا ليست ترفًا، بل ضمانة لحماية المؤسسة وتعزيز الثقة فيها. ومن حق الجهات الرقابية المختصة مراجعة هذه الملفات، والتحقق من سلامة الإجراءات وكفاءة الإنفاق، وتحديد أي قصور إن ثبت، مع تجنب إطلاق أحكام مسبقة أو نسبة مخالفات إلى أشخاص دون أدلة المطلوب الآن ليس بيانًا إنشائيًا يعدد الاجتماعات واللقاءات، بل كشف حساب يضع التكلفة أمام العائد، والوعود أمام التنفيذ، والخطط أمام ما تحقق منها. على إدارة الهيئة أن تتيح المعلومات المتعلقة بالرحلات ومصروفاتها وأهدافها ومخرجاتها، وأن توضح ما أضافته إلى كفاءة الموانئ وتنافسيتها. وعلى الجهات المختصة أن تضمن وجود آليات واضحة للمراجعة والمساءلة، حتى لا تبقى الأسئلة رهينة الصمت أو الاجتهادات المسألة في النهاية أكبر من شخص، وأهم من رحلة، وأخطر من فاتورة منفردة؛ إنها اختبار لثقافة إدارة المال العام. فإذا كانت الرحلات قد حققت عائدًا ملموسًا، فلتتحدث الأرقام والوثائق. وإذا لم يتحقق العائد المأمول، فلتُراجع السياسات والأولويات. أما أن تتحرك الأموال من دون أن تتاح للرأي العام معلومات كافية لتقييم النتائج، فذلك يترك فراغًا في المساءلة لا ينبغي أن يستمر. فمن يدير مرفقًا وطنيًا لا يُسأل عن وجهته فقط، بل عن حصيلة رحلته؛ والمال العام لا يحتاج إلى تبرير طويل، بقدر ما يحتاج إلى نتيجة واضحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى