
الخرطوم – الرسالة نيوز
أكد الشيخ الطيب عبد الوهاب أن اجتماع أهل التصوف بالحوار السوداني ليس أمراً غريباً عليهم، وأن الشورى والحكمة والكلمة الطيبة هي صميم منهجهم.
جاء ذلك في كلمته المطولة التي ألقاها أمام اجتماع لجنة تهيئة الحوار السوداني بشيوخ الطرق الصوفية، والذي انعقد بمسجد الطريقة الخلوتية السمانية الطيبية القريبية بتاريخ 28 أغسطس 2026م.
وافتتح الشيخ كلمته بحمد الله الذي جعل الشورى سبيلاً للرشد، والحكمة باباً للإصلاح، والكلمة الطيبة مفتاحاً للقلوب، مذكراً بقوله تعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) و (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، و (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
ورحب بوفد لجنة الحوار السوداني، واصفاً إياهم بأنهم حلوا بين أهلهم وإخوانهم في دار من دور الذكر والمحبة، وأن رجالاً جعلوا جمع الكلمة وإصلاح ذات البين وخدمة الناس جزءاً من رسالتهم الدينية والاجتماعية والوطنية.
وشدد على أن الحوار السوداني لا ينبغي النظر إليه كمجرد مائدة سياسية تلتقي حولها القوى لتتقاسم المواقف، وإنما هو حوار يستعيد للسودانيين قدرتهم على الاستماع إلى بعضهم، ويعيد للكلمة حرمتها، وللاختلاف أدبه، وللمصلحة العامة مكانتها فوق المصالح الضيقة.
وقدم الشيخ الطيب في كلمته 10 مرتكزات قال إنها ثوابت راسخة عند أهل التصوف في الحوار، ولا تتبدل بتبدل المواقف، وتنطلق من مرجعية الإيمان ومقاصد الدين:
أولاً: العبادة وعمارة الأرض:أن الحياة خلقت لعبادة الله وعمارة الأرض بالخير والعدل والإحسان، امتثالاً لقوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
ثانياً: الرحمة بالخلق: أن الخلق عيال الله، وأن أكرم الناس من كان أنفع لعباده وأرحم بهم، اقتداءً بقوله تعالى عن نبيه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
ثالثاً: الوسطية: أن القرآن كتابهم والشريعة حكمهم والإسلام الجامع دينهم، والوسطية منهجهم في النظر والسلوك، بلا غلو ولا تفريط، وهم يرون أن صلاح الشأن العام لا ينفصل عن قيم الدين الكبرى في العدل والرحمة والشورى.
رابعاً: وطن يسع الجميع:أن السودان وطن يتسع لأهله جميعاً، وأن اختلاف الأعراق والقبائل والجهات والثقافات لا ينبغي أن يكون مدخلاً للتنازع والإقصاء، وإنما مصدر ثراء وتعارف، مصداقاً لقوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).
خامساً: وحدة البلاد: أن وحدة البلاد وسلامة نسيجها الاجتماعي أصل ينبغي المحافظة عليه، وأن جمع الكلمة مقدم على أسباب الفرقة، امتثالاً لقوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).
سادساً: الحوار لا المغالبة: أن الحوار الصادق لا يقوم على الإملاء والمغالبة وإنما على الشورى والإنصات والاحترام المتبادل، فالحوار عند أهل الطريق ليس ميداناً لهزيمة الآخر وإنما سبيل للوصول معه إلى الحق.
سابعاً: أدب الخلاف: أن الاختلاف في الرأي لا يفسد حرمة الأخوة الوطنية، ولا يبيح الإساءة، مستشهداً بحديث (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)، وأن الأدب مع المخالف أصل من أصول أهل الطريق.
ثامناً: المصالح العامة أولاً: أن مصالح الناس وأمنهم وكرامتهم ومعاشهم ومستقبل أبنائهم مقدمة على المصالح الشخصية والفئوية، فالسياسة عند أهل البصيرة مسؤولية وأمانة.
تاسعاً: العدل أساس المصالحة: أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على الكلمات والمجاملات وحدها وإنما تحتاج إلى عدل وإنصاف ورد للحقوق وجبر للضرر، وقد أمرنا الله بالعدل فقال (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)، وجعل الإصلاح بين الناس من أجل الأعمال فقال (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).
عاشراً: انتصار السودان: أن الغاية من الحوار ليست أن يغلب فريق فريقاً، ولا أن ينتصر حزب أو جماعة على أخرى، وإنما أن ينتصر السودان، وأن ينتصر الحق والعدل والسلام، وأن يجد أبناء الوطن طريقاً آمناً نحو الأمن والاستقرار.
وختم الشيخ الطيب كلمته بالإشارة إلى أن المشايخ الذين وقع عليهم الاختيار لتمثيل الطرق الصوفية في لجنة الحوار ليسوا خياراً من فراغ، وإنما كل واحد منهم وراءه تاريخ من الدعوة والتربية والخدمة، وسجادات ومسائد وخلاوي ومريدين، ومجتمعات ممتدة في قرى السودان ومدنه وبواديه وأريافه.
وقال إنهم لا يدخلون لجنة الحوار بأسمائهم المجردة، وإنما بما يمثلونه من امتداد روحي واجتماعي عظيم، مشيراً إلى أن بعض التقديرات تذهب إلى أن دائرة الانتماء والتأثر الاجتماعي والروحي بالتصوف تمثل غالبية كبيرة من المجتمع السوداني تتجاوز 75%.
وأضاف: “نريد أن نقول للسودانيين من هذا المكان.. إن اختلافنا لا ينبغي أن يكون أكبر من وطننا.. وإن خصوماتنا لا ينبغي أن تكون أقوى من روابطنا.. وإن الحرب مهما امتدت لا ينبغي أن تهزم قدرتنا على الجلوس إلى بعضنا”.




