
د.اسماعيل الحكيم .. يكتب من مهد الاستقلال إلى بشائر النصر.. رسائل البرهان لبائعات الشاي في الخرطوم
بعض اللقاءات تحمل في صمتها أكثر مما تقول الخطب، وتختزن في مكانها وزمانها دلالاتٍ تتجاوز لحظة الحدث إلى معنى الوطن نفسه.ولعل لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ببائعات الشاي في قلب المجلس التشريعي لولاية الخرطوم كان من تلك اللحظات التي يصعب قراءتها خارج سياق التاريخ.ففي هذا المكان تحديداً، رُفع علم السودان، وارتفعت راية الاستقلال، وأُعلن رحيل المستعمر. وها هو التاريخ، بعد عقود، يبدو كأنه يستعيد مشهداً من مشاهده؛ لا ليعلن خروج مستعمرٍ أجنبي هذه المرة، وإنما ليضع نهايةً لمرحلةٍ أرادت فيها المليشيا أن تجعل من الخرطوم ساحةً للفوضى والخراب، وليعلن من جديد أن العاصمة لا تسترد عافيتها إلا حين تسترد الدولة حضورها وهيبتها ونظامها.لكن قيمة اللقاء لا تكمن في رمزيته التاريخية وحدها؛ فبين البرهان وبائعات الشاي كانت هناك مسافةٌ أخرى سقطت تماماً: مسافة الحاكم والمحكوم، والمسؤول والمواطن، والراعي والرعية.
فهؤلاء النسوة لسن وجوه تقف خلف أكواب الشاي في الطرقات. إنهن شريحةٌ اجتماعية فرضت عليها الظروف أن تحمل ما يفوق طاقتها؛ خرجن إلى العمل والكسب الحلال حين غاب العائل، وحملن مسؤولية الأسرة، وأمسكن من الطرف الآخر بحبل الحياة حتى لا تسقط بيوتها في هاوية العوز.ومن هنا يأتي البعد الاقتصادي للقاء؛ فدعم بائعات الشاي لم يكن إحساناً لهن ، وإنما اعترافٌ بدور قطاعٍ غير رسمي واسع في اقتصاد المدينة، وبحق النساء العاملات في أن يتحول كسبهن من نشاطٍ مبعثر إلى عملٍ منظم يحفظ الكرامة ويصون الحقوق ويضيف إلى دورة الاقتصاد بدلاً من أن يبقى خارجها.
غير أن القضية أعمق من الاقتصاد. فهناك البعد الأمني الذي لا يمكن تجاهله. فقد ظلت بعض تجمعات بائعات الشاي، بحكم ظروفها ومواقعها وطبيعة العمل فيها، بيئاتٍ قابلةً لتسلل الجريمة والمخدرات وبعض مظاهر الانحراف. ولذلك فإن تنظيم هذا القطاع ليس نفلاً إدارياً، بل جزءٌ من معركة استعادة الأمن الاجتماعي، وتجفيف منابع الفوضى قبل أن تتحول إلى ظاهرة مستعصية.وهناك أيضاً البعد النفسي والاجتماعي والديني؛ فالإنسان حين يجد الدولة إلى جواره، لا فوق رأسه، يستعيد شيئاً من ثقته بنفسه وبمجتمعه. وحين تُنظم المهنة وتحفظ كرامة العاملات وتوفر لهن بيئةً أكثر أمناً واستقراراً، فإن الدولة لا ترتب الشوارع فحسب، وإنما تعيد ترتيب علاقة المواطن بمؤسساتها.
ومن هنا تبرز دلالة التبرع بـ 3500 كشك لبائعات الشاي؛ فالخطوة، إذا أحسن تنفيذها، يمكن أن تكون بدايةً لنقل هذا القطاع من عشوائية الأرصفة إلى فضاءٍ حضري منظم، يحفظ حق المرأة في العمل، ويحفظ للعاصمة وجهها الحضاري.فالخرطوم التي خرجت من الحرب لا تحتاج فقط إلى إزالة آثار الرصاص من جدرانها؛ تحتاج أيضاً إلى إزالة آثار الفوضى من شوارعها، وإعادة بناء مفهوم المدينة في تفاصيلها الصغيرة قبل مشاريعها الكبيرة.إن إعادة إعمار العاصمة لا تبدأ دائماً من الكباري والمباني والأسفلت؛ أحياناً تبدأ من كشك شاي منظم، وامرأةٍ تشعر أن الدولة تراها وتحمي عملها وتحفظ كرامتها. وهنا تكمن الرسالة الأعمق .
فإذا كان السودان قد رفع علمه هناك وطرد المستعمر، فإن الخرطوم اليوم ترفع رايةً أخرى ومن ذات المبنى : راية الدولة التي تستعيد مؤسساتها، وتنظم شوارعها، وتحمي مواطنيها، وتفتح للمرأة العاملة باباً للكسب الكريم.وما بين علمٍ رُفع بالأمس، وأكشاكٍ تُمنح اليوم، يبقى المعنى واحداً أن تحرير الوطن لا يكتمل بخروج المعتدي من الأرض، وإنما يكتمل حين تعود الدولة إلى كل تفاصيل الحياة.



