
د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..معادلة السيادة بأقلام الميدان ودماء المرابطين وإرادة الشارع .
تتقاطع المحطات الفاصلة في تاريخ الأمم حين يتلاحم النبض الجماهيري بالمنجز الميداني، لتتحرك الجغرافيا العسكرية والسياسة السيادية في اتجاه واحد لا يتجزأ. حيث تشهد اللحظة السودانية الراهنة تشابكًا ثلاثي الأبعاد يُعيد رسم معادلات القوة؛ إذ تشكلت لوحة متكاملة الأركان تتداخل فيها إرادة الشارع الثائر عقب صلاة الجمعة، بصرامة الحسم العسكري في عمق كردفان، بتبعات الموقف الأمريكي الأخير الذي انقلب من محاولة عزلة إلى مكسب سيادي غير مشهود.
إن اندفاع الجماهير الهادرة في أعقاب صلاة الجمعة، ملتحفة بالراية الوطنية ومجددة الالتفاف حول مؤسستها العسكرية العتيقة في شخص قائدها، يتجاوز حدود التظاهر المعهود ليستقر في جوهر عقيدة الدفاع عن الدولة. هذا التدفق الشعبي يمثل إعلانًا صريحًا بسقوط رهانات التفكيك الداخلي، وتأكيدًا على أن المؤسسة العسكرية ليست خيارًا فئويًا بل هي الرقعة الأخيرة التي تلتقي عليها الشرعية الشعبية. لقد أوجد هذا الحشد حاضنة صلبة تُحوّل كل محاولة للالتفاف على الجيش إلى مواجهة مباشرة مع الوجدان الجمعي لشعب يرى في مؤسسته المسلحة الضامن الوحيد للبقاء والسيادة.وعلى وقع هذا الزخم الشعبي، جاء التحرك الميداني ليشكل ترجمة عملية للإرادة السياسية على الأرض؛ إذ تمثل السيطرة على مدينة “سودري” تحولًا مفصليًا في الشطرنج العسكري بالغرب السوداني. فلم تكن هذه المدينة مَعلم جغرافي في صحراء كردفان، وإنما هو العقدة الشريانية والحلقة التمويلية الأهم التي تغذي شرايين الدعم السريع بين كردفان ودارفور. إن بتر هذه الرئة اللوجستية يفرض واقعًا عملياتيًا جديدًا يُجبر الخصم على الانكفاء والتراجع ، ويحرمه من ميزة الحركة الحرة والسيولة الميدانية، متدرجًا به نحو حصارٍ حاد يضيق عليه الخناق وتتآكل معه قدرته على التناور.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأرض والشوارع تنطق بلغة الحسم، جاء القرار الأمريكي بمنع قائد الجيش من المشاركة ومخاطبة العالم عبر منبر الأمم المتحدة؛ خطوة ظنها صانع القرار في واشنطن حصارًا سياسيًا، فإذا بها تتحول إلى هدية جيو-سياسية مكتملة الأركان. لقد كشف هذا التعسف الدبلوماسي عن ازدواجية معايير صريحة، مما منح الخرطوم مظلومية سيادية هائلة وسندًا دوليًا تتشكل معالمه في أروقة التكتلات المناهضة للهيمنة. إن هذا التضييق وفر للدبلوماسية السودانية مساحة مناورة لم تكن لتبلغها عبر المسالك التقليدية، ليتحول حظر المنبر إلى منصة أعمق للشرعية المكتسبة من ثبات الأرض ورفض الإملاءات.
تتكتل هذه المتغيرات لتصنع لحظة فارقة في التكتيك والاستراتيجية؛ إذ يقف السودان اليوم على أرضية صلبة تجمع بين قطع أوصال الخصم ميدانيًا، وتأمين ظهير شعبي لا يلين، واستثمار شطط الموقف الدولي لبناء تحالفات أكثر توازنًا. إنها لحظة فرز تاريخي تُكتب فيها معادلة السيادة بأقلام الميدان ودماء المرابطين وإرادة الشارع، مؤكدة أن القرار الوطني حين يستند إلى السلاح والجمهور، يعلو فوق كل محاولات التحجيم والعزل.




