
د. اسماعيل الحكيم..يكتب..عقدة التأشيرة وشرف السيادة: مقعد السودان أقوى من “فيتو” الإجراءات
الكلمة الصادقة والنص الرصين هما دائماً السلاح الأقوى في معارك الإثبات السياسي والسيادي، ففي تناقضٍ صارخٍ يعري كواميل السياسة الدولية ويخدش مروءة دولة المقر ، برزت ممانعة واشنطن في منح الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي تأشيرة الدخول للارتقاء إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك؛ وهو المنبر ذاته الذي خاطبه من قبل مرات وكرات ، وفي الذات الوطنية ذاتها التي لم تتغير سيادتها ولا صفة تمثيلها. إن عضوية السودان في هذه المنظمة الأممية تجعل مشاركة رئيس مؤسساته الحاكمة حقاً أصيلاً يُستمد من ميثاق 1945، لا نفلاً ولا منحةً تُوهب وتُسترد بقرارات إدارية أو أمزجة سياسية.
إن العبث بمسألة التأشيرات يرتدُّ حكماً إلى أهدافٍ تتوزع بين الظاهر والباطن؛ فما هو ظاهرٌ كالشمس في رابعة النهار يتبدى في محاولات الضغط السياسي المكشوف، واختزال إرادة دولة بوزن السودان في زوايا الحصار الدبلوماسي والتضييق على شرعية مؤسساته الرسمية. أما ما خفي واستتر كضمائر اللغة العربية، فهو السعي لفرض واقع سياسي جديد عبر إضعاف الصوت الرسمي، وتعطيل قدرة القيادة السودانية على الوقوف المباشر أمام الضمير العالمي لتعرية الأجندات التي تعبث بأمن بلادها.
تُعدّ الجمعية العامة للأمم المتحدة الجهاز الرئيسي للمداولات ووضع السياسات في المنظمة، والتي تضم ١٩٣ في عضويتها من جميع الدول ولكل منها صوت متساوٍ، وهي تعقد دوراتها السنوية العادية في سبتمبر من كل عام لبحث القضايا العالمية الكبرى وحفظ السلم والأمن الدوليين. وتأتي الدورة القادمة الدورة الحادية والثمانون – UNGA 81 لترسخ واقعاً ميثاقياً مفاده أن المنظمة ملكٌ لأممها وليست ملحقاً سيادياً للدولة المستضيفة.
لكن التاريخ السياسي أثبت أن التضييق الشكلي لا يطمس القضايا الجوهرية؛ فالسودان يمتلك في أروقة منهاتن بعثةً دائمة ومبعوثاً دائماً يمتلك من الصفة القانونية والدبلوماسية ما يؤهله لتمثيل رأس الدولة ونقل خطابه ورؤيته كاملة غير منقوصة حال تعنت واشنطن . وسينطق المبعوث باسم السودان، وسيتردد اسم الخرطوم في القاعة الزرقاء رغماً عن المطبات العارضة والعراقيل المقصودة.
إن مثل هذه المضايقات الدبلوماسية المقصودة والمدفوعة القيمة لا تزيد الدولة السودانية إلا صلابةً واشتداداً في العود؛ فالاستحقاق القانوني أثبتْ من أن تُسقطه إجراءات تأشيرة، والشرعية الوطنية تُستمد من التراب والشعب لا من أختام السفارات الأجنبية. وباذن الله سيبقى صوت السودان حاضراً ومسموعاً، وسيترسخ موقفه الدبلوماسي والقانوني كقضية عادلة لا تُحاصرها أختام الدخول، ولا تُغيبها أرصفة الانتظار.




