
د. اسماعيل الحكيم .. يكتب..عائدٌ إلى حِضْنِ النِّيل.. البروفيسور علي شُمّو خطوةٌ تُحيي رُوحَ الخرطوم
أخيرًا، تَنَفَّسَتِ الخرطوم الصَّعَدَاء، ونَفَضَتْ عن جَبِينِهَا غُبارَ الحزن، وهي تفتح ذراعيها لتستقبلَ قامةً بحجم وطن، ورمزاً من رموز نهضتها الحديثة. بعد ثلاثة أعوامٍ عجاف من تهجيرٍ قسريّ أوجع القلوب، عاد البروفيسور علي محمد شُمّو إلى أرض الوطن، ليعلن بعودته أنَّ الرُّوح لا تُفارق جسدها مهما طال الاغتراب، وأنَّ منارات السودان لا تطفئها عواصف المحن.
كان مشهد استقبال البروفيسور شمو في المطار تظاهرةً وطنيةً تجسّدُ عِرفان الدولة لرجالها الأوفياء؛ حيث كان في مقدمة مستقبليه وزيرا الخارجية والتعاون الدولي، والثقافة والإعلام والآثار والسياحة. هذا الاحتشاد الرسمي والنخبوي يحمل دلالةً عميقة: أنَّ السودان، وهو يخوض معركة الكرامة والوجود، لا ينسى رُواده، وأنَّ الاحتفاء بشُمّو هو احتفاءٌ بالوعي، والثقافة، والدبلوماسية، والسياسة التي صاغ البروفيسور الكثير من ملامحها عبر تاريخه الناصع.
لقد تجرّع البروفيسور علي شمو، كشأن الملايين من أبناء شعبه، مرارة الحرب وويلاتها. ففي بدايات الغدر، تعرض هذا الرمز الكبير لمحاولات بائسة من الإذلال والاستصغار على أيدي المليشيا الإرهابية المتمردة، التي لم تراعِ عمره ، ولا مكانته، ولا سهمَه المَوفُور في بناء وجدان الأمة. أُجبر على النزوح قسراً من داره العامرة في مدينة “بحري”، لتبدأ رحلة اللجوء والشتات التي انتهت به مُكرّماً في مدينة “حائل” بالمملكة العربية السعودية، والتي وجد فيها رعايةً تليقُ به، لكنّ قلبه ظلّ معلقاً بمقرن النيلين.
إنَّ تلك الممارسات الهمجية التي استهدفت قامةً كشمو كانت محاولةً بائسة لاغتيال الرمزية السودانية، وتجريف العقل الإداري والإعلامي للبلاد؛ لكنّ الذهب الإبريز لا يزيدُه النّار إلا نقاءً وصَلابة.وتكتسب عودة البروفيسور شمو اليوم أهميةً استراتيجية قصوى؛ فهي قيدومة ومُقدّمة لمشروع العودة الكبير الذي دعت إليه الحكومة السودانية. وعودة الخبير والإعلامي شمو هي الضوء الذي يُرشد بقية الخبراء والعلماء والوطنيين ليعودوا ويسهموا في معركة البناء والإعمار.
إذا عاد علي شمو، وهو الشيخ الجليل والتاريخ ويمشي، فمن ذا الذي يتخلف عن نداء الوطن؟”إنَّ البروفيسور ما كان خبيراً إعلامياً قاد مسيرة الإعلام العربي والأفريقي، لكنه رمزٌ سياسيّ ووطنيّ عاش حُبّ السودان فكراً وممارسة. وطوال مسيرته، كان سهاماً صائبة في كنانة هذا الوطن، أسس للنهضة، وعلّم الأجيال، وترك بصمته في كل شبرٍ من مؤسسات الدولة.
إنَّ الخرطوم اليوم، وهي تستقبل ابنها البار، تؤكد أنَّ الهُويّة السودانية عصيّةٌ على الانكسار، وأنَّ الرموز الذين بنوا هذا الوطن لن يتركوُه في محنته.أهلاً بك يا بروفيسور في وطنك الذي اشتقتَ إليه واشتاق إليك.. طِبْتَ وطَابَ مَمْشَاك، وتبوأتَ من المجد ذروته، ومن قلوب السودانيين منزلاً فسيحاً، ونسأل الله أن يُبارك في عُمرك ويجزيك عن هذا الوطن خير الجزاء، ويجعل مآلك ومآل صَبْرك منزلاً في أعلى الجنان. لقد عُدتَ.. وعادت معك هيبة الكلمة ووقار الوطن.




