عام

أسامة العوض..يكتب..نظرية ترتيب الأولويات.. من يصنع عقولنا؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

أسامة العوض..يكتب..نظرية ترتيب الأولويات.. من يصنع عقولنا؟

 

تقوم نظرية ترتيب الأولويات *Agenda Setting Theory*، وهي واحدة من أهم نظريات الإعلام الدولي وعلوم الاتصال، تدرس ويقوم البحث العلمي على نهجها في كافة جامعات هذه الدنيا . على فكرة بسيطة لكنها خطيرة في آن واحد:

 

*وسائل الإعلام لا تخبر الجمهور بما يفكر فيه، لكنها تحدد له القضايا التي يجب أن يفكر بشأنها.*

 

فالفضائيات والقنوات والإذاعات والصحف اليومية والمجلات العالمية، لا تملك أن تزرع رأياً في رأسك بالقوة، لكنها تملك أن تقول لك: “هذا هو الموضوع المهم اليوم، فكّر فيه، وتحدث عنه، وانشغل به”. ومن خلال إبراز بعض الموضوعات، وإهمال جوانب أخرى مهمة، فهي ترتب أولوياتك دون أن تشعر.

 

إنها لا تقول لك: ماذا تفكر؟ بل تقول لك: في ماذا تفكر؟ وهذا هو أخطر أنواع التأثير.

 

كيف تعمل النظرية؟

 

تعمل وسائل الإعلام بثلاث آليات أساسية:

 

▪️ الإبراز والتركيز:

 

حين تضع قناة ما خبراً في مقدمة النشرة لمدة أسبوع كامل، وتستضيف له خمسة محللين كل يوم، فهي تقول لعقلك: هذا هو الخطر الأول. وحين تتجاهل خبراً آخر تماماً، فهي تقول لك ضمناً: هذا لا يستحق اهتمامك.

 

▪️ التكرار:

 

القضية التي تتكرر في كل نشرة، تصبح قضية رأي عام، حتى لو كانت في الأصل قضية هامشية. والتكرار يصنع الأهمية في عقل المشاهد.

 

▪️ التأطير:

أي الزاوية التي يُقدم بها الخبر. هل يُقدم المقاتل على أنه “متمرد” أم “ثائر”؟ هل يُقدم اللاجئ على أنه “ضحية” أم “عبء أمني”؟ الكلمة الواحدة تغير ترتيب الأولويات في عقل المتلقي.

 

وما حربنا هذه التي نخوض غمارها ببعيدة عن ذلك. نلاحظ اهتمام هذه الوسائل الإعلامية بما يجري عندنا، حتى في أدق التفاصيل والمعلومات، وتحليلها باستفاضة وشرح مفصل، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله: لماذا يهتمون بهذه الزاوية ويهملون تلك؟ ولماذا يسلطون الضوء على معركة هنا ويتجاهلون مجزرة هناك؟

 

والإجابة تكمن ، لأن من يملك ترتيب الأولويات، يملك توجيه العقل الجمعي.

 

وتأثير النظرية على عقول الشعوب في الدول النامية

ففي دول العالم النامي، ومنها السودان، يكون تأثير هذه النظرية أشد وأعمق، لثلاثة أسباب:

 

* ضعف الإعلام المحلي البديل

 

عندما يكون الإعلام المحلي ضعيفاً، أو مملوكاً للدولة، أو مفتقراً للمهنية، يصبح المواطن أسيراً للإعلام الخارجي. فيتلقى ترتيب أولوياته من لندن وباريس والدوحة وأبوظبي وواشنطن، لا من واقعه الحقيقي في قريته وحيه.

 

* غياب الوعي النقدي ،،،

 

في مجتمعات يعاني فيها التعليم ما يعانيه، يتلقى كثير من الناس الخبر كما هو، دون أن يسأل: من قال؟ ولماذا قال الآن؟ وما الذي لم يقله؟ فيتحول المشاهد من مواطن يفكر إلى متلقٍ يُقاد.

 

* دائما العاطفة تتقدم على العقل في

الإعلام الدولي .

 

يجيد اللعب على العاطفة، صورة طفل جائع واحدة، أقوى من ألف تقرير عن التنمية. فيصبح تعاطفنا مُوجهاً، وغضبنا مُوجهاً، وحتى تضامننا مُوجهاً.

 

أمثلة حية في ترتيب الأولويات ، ربما تمثل مشاهدات مما نقوله عن أولويات النظرية :

 

▪️ حرب غزة مقابل حرب السودان:

 

في الوقت الذي كانت فيه قنوات عالمية تبث 24 ساعة عن غزة، كانت حرب السودان، وهي من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، تُمنح خبراً في ذيل النشرة لمدة 30 ثانية.

 

ما النتيجة؟

أصبح العالم كله يعرف تفاصيل غزة، بينما لا يعرف أغلب العالم أن في السودان ملايين النازحين. ليس لأن مأساتنا أقل، بل لأن ترتيب الأولويات لم يضعنا في المقدمة.

 

▪️ المجاعة تُصنع إعلامياً:

 

حين قررت بعض المنظمات والقنوات أن تضع “مجاعة السودان” في مقدمة أجندتها، فجأة أصبح السودان قضية العالم الأولى لأسبوعين، وانهالت التبرعات، وتدويل مفهوم المساعدات الإنسانية ، تلك الاسطوانة المشروخة ، وحين سحبت الكاميرات، عادت المجاعة كما هي، لكن العالم نسيها، الجوع لم يتغير، الذي تغير هو ترتيب الأولويات.

 

▪️الانتخابات الأمريكية مقابل انتخابات إفريقيا:

 

تجد المواطن السوداني يعرف أسماء مرشحي الانتخابات الأمريكية، ونسب استطلاعات الرأي في ولاية بنسلفانيا، ولا يعرف من هو مرشح رئاسة تشاد المجاورة له. لأن الإعلام رتب له أن أمريكا أولوية، وإفريقيا هامش.

 

▪️ المليشيا والضحية:

 

في حربنا، لاحظنا كيف رتبت بعض القنوات أولوياتها:

فجأة أصبح “الدعم السريع” يُقدم كطرف سياسي له مطالب وهو قوة متمردة مغتصبة، بينما تُهمّش جرائم النهب والاغتصاب والتهجير، وفي قناة أخرى، العكس تماماً. نفس الحرب، نفس الوقائع، لكن ترتيب الأولويات المختلف صنع وعياً مختلفاً تماماً عند المشاهدين.

 

▪️ كرة القدم والوعي السياسي:

 

في كثير من الدول النامية، يتصدر خبر انتقال لاعب كرة قدم الصفحة الأولى، بينما يُدفن خبر رفع الدعم عن الدواء في صفحة داخلية، فينشغل الشباب بالمباراة، ويمر القرار الاقتصادي الخطير دون نقاش. هذا ليس صدفة، هذا ترتيب أولويات.

 

الخلاصة: من يملك الأجندة يملك العقل

 

نظرية ترتيب الأولويات تقول لنا حقيقة مرة: نحن لا نفكر فيما نريد، بل نفكر فيما يُراد لنا أن نفكر فيه، ما لم ننتبه.

 

والحل ليس أن نغلق التلفاز، بل أن نتعلم أن نسأل دائماً ثلاثة أسئلة أمام أي خبر:

 

▪️ لماذا هذا الخبر الآن؟

▪️ ما الخبر الذي غاب ليحضر هذا الخبر؟

▪️ من المستفيد من أن أفكر في هذا الموضوع اليوم؟

 

حين نبدأ في طرح هذه الأسئلة، نستعيد عقولنا من يد من يرتب لنا أولوياتنا، ونبدأ نحن في ترتيب أولوياتنا بأنفسنا.

 

فالشعوب الحرة ليست هي التي تملك أكثر القنوات، بل هي التي تملك الوعي لتفرق بين ما هو مهم حقاً، وما قيل لها إنه مهم.

 

غداً سنرى بوضوح أكثر معالم الطريق القادم .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى