استهل البروفيسور كامل ادريس فترة ولايته رئاسة مجلس الوزراء الانتقالى فى هذه البلاد بكلمة رشيقة محكمة الاعداد و الإلقاء تملؤها الفصاحة والحصافة و قدر وافر من الشفافية والافصاح و تضمنت رؤية واضحة و رسائل صريحة يفهمؤها المعنيون بها و لطالما تقاطعت و تقاسمت فيها هذه الصفات و تلك المواصفات فلا حاجة لأعمال اى قدر من العصف الذهني لشرح متنها أو تفسيره ولا تاويل أو تبرير شيء من مضمونها.
إن ما حملنى للتعليق والتذكير رغبتى فى إبداء سروري و غبطتى بدأ بالمرسوم الدستورى الخاص بتعيين رئيس للوزراء بكامل الصلاحيات والسلطات لتكملة الفترة الانتقالية ثم اختيار البروفيسور كامل ادريس لهذه هذه الأمانة الوطنية والتاريخية التى اشفقت عن حملها وأدائها الأرض و السماؤات كونها تقود دون أدنى ريبة أو شك من يتقدم الصفوف لتحملها ولا يؤدى حقها مستحقها كما يجب ، للخزي والندامة ليكون منتهاه إلى الجحيم و الهلاك المبين.
وايضا تملؤني نشوة الارتياح و الفرح كونى كنت قد اسهمت بما تيسر لي بفضل الله تعالى و توفيقه بقلمى و فكرى فى زخم حملة واسعة النطاق انبرت لها و تسيدتها نخبة من كبار أساتذتنا من الكتاب والمفكرين والصحفيين والمحللين والأكاديميين و بعض من وجهاء قبيلة السياسيين والمهتمين بشأن السياسة و شؤون الحكم و إدارة الدولة ركزت الحملة المطلبية على الأهمية البالغة والحاجة الملحة لتعيين رئيس وزراء مستقل من زوي الكفاءة والمعرفة والقدرات الوافرة و بكامل الصلاحيات والسلطات لقيادة وإدارة الفترة الانتقالية وحمدا لله بعد مخاض عسير تحقق الأمل المنشود و صار الحلم من حقائق الواقع الجديد فى هذا البلد الجريح الذى بهذه الخطوة الحاسمة و التى تاخرت لنحو م أربعة سنوات ( ولأن تأتى متأخرة افضل مما لا تأتى ) تكون قد اكتست وجوه أهل هذه البلاد الغارقة فى الاوجاع المرة الابتسامات الوضاحة و البسمات السجية و انطلقت صيحات الامل والرجاء تردد قولا و شعرا ( وداعا يا ضيم الحزن و ظلام و الهم على أبوابنا ما تقرب و مرحب يا صباحات الخير و الندى والعمل والإعمار والبناء قرب تعال ما تبتعد.)
لقد عقدت العزم إلى تقديم بعض من الرؤى مما اعتقد انه مفيد و مهم لإنجاح هذا الانتقال المدنى الديمقراطي لعناية دولة رئيس الوزراء على سبيل ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين و ربما احتاج الى اكثر من ثلاث حلقات لتدوين هذه النصائح و الرؤيا
نبدا وخير ما نبتدر به القول إن من أجل إرساء دعائم المصداقية والشفافية و الالتزام الأخلاقي أن يكون لهذه الحكومة الانتقالية المرتقبة برنامج وطنى زوى سمات انتقالية ولا طائل من تشتيت الوقت والجهود والموارد فى قضايا ليس من اختصاصها و التركيز على قضايا وتحديات الانتقال و البعد عن الخوض في مسؤوليات الحكومة المنتخبة التى تحوز على تفويض الشعب لإدارة البلاد و تأسيس نظم الحكم و هياكله الدائمة على أساس الدستور الذي يرتضيه الشعب و يوافق عليه فى استفتاء عام.
ان عاجل و راهن متطلبات الانتقال مفهومة و معروفة و هى التى يتعين أن يتضمنها ويركز عليها برنامج هذه الحكومة الانتقالية و فى قادم حلقاتنا هذه سنستعرض قضايا وتحديات الانتقال والتى يتعين أن صدر ديباجتها الالتزام الصارم و التاكيد على أهمية الوفاء بالاجل المحدد لتسليم السلطة للبرلمان المنتخب فى اخر يوم من مدة الفترة الانتقالية بمعنى أن يتم إنجاز كل مستحقات الانتقال قبل هذا اليوم الاحتفالى بتسليم السلطة و مقاليد الحكم إلى رئيس الوزراء الذي يختاره الحزب أو التحالف الانتخابي الفائز في الانتخابات البرلمانية المرجوة إن شاءالله .
مما أسعدني أكثر ما اكد عليه دولة رئيس الوزراء الانتقالى بروف كامل ادريس فى كلمته الضافية و فى تصريحات سابقة له انه سيتولى إدارة الفترة الانتقالية و قيادة الجهاز التنفيذي للدولة بكفاءة و شفافية لضمان تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الشامل و ارساء دعائم سيادة حكم القانون فى كافة أرجاء البلاد.
إن الأمن والاستقرار و سيادة حكم القانون هما اهم عنصرين ولا ثالث لهما لضمان اكمال إنجاز الإنتقال المدنى الديمقراطي من بعد لهما دورهما الحاسم في انعاش و نمو و نهضة و تطور اي مجتمع أو دولة حتى لو كانت لا تملك موارد نفطية أو معدنية أو ثروات زراعية هائلة والأمثلة على ذلك كثيرة و عديدة فى هذا المنحى غير أن اليابان التى خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة و منهكة مع شئ من العقوبات المهينة و سنغافورة الدولة الصغيرة الحديثة التي بنت نهضتها الحديثة من العدم و اليوم اقتصادها من أسرع اقتصاديات الدول الناشئة فى المنطقة الآسيوية بما فيها دول الخليج من الشق الآسيوي المثقلة بالثروات النفطية خير مثال ، ثم ماليزيا و كوريا الجنوبية وتايلاند غير أن السودان يتمتع بموارد طبيعية خرافية فوق الارض وتحتها وما ينقصه هو الأمن القومي والاجتماعي والاستقرار السياسي و سيادة حكم القانون ليصعد الى مرافئ سامقة من النمو الاقتصادى و التعافى الاجتماعي والنهضة والتطور.
إن بلادنا قد حسمت أمرها و عقدت عزمها على بسط الأمن والاستقرار والسلام و ترسيخ سلطة الدولة وهيبتها من خلال توحدها ( جيشا وشعبا ) ضد أخطر عوامل التردى الاجتماعي والتخلف الاقتصادى والعجز والهوان السياسي و السقوط فى أنفاق الحروب المناطقية والنزاعات الأهلية المدعومة من الخارج ، حيث تمضي مسيرة انتصارات معركة الكرامة تلقاء نجاحات باهرة و مذهلة و هذه مهمة وطنية جسيمة وعظيمة تحملها جيشنا الباسل العنيد تدعمه جبهة عريضة تتسع يوما بعد الآخر و يشتد عزمها و إرادتها بجحافل المقاومة الشعبية و كتائب المجاهدين والمستنفرين و القوات النظامية والعسكرية المتحالفة ، تصوب سهام رميها نحو هدفها الأوحد وهو القضاء المبرم و الشامل على كل المليشيات والحركات المسلحة المتمردة ضد الدولة فى كافة أرجاء البلاد بما فيها تمرد الحلو و عبد الواحد لذلك يتعين أن يكرس برنامج الحكومة القادمة جهوده لحشد التأييد و الدعم غير محدود للانتصار الساحق فى معركة إثبات الوجود والهوية الوطنية.
بالتوازي مع هذه التضحيات النفيسة لابد من تفجير ثورة إصلاحية راشدة و قاصدة لتحقيق العدالة الاجتماعية كواحدة من مبادىء ثورة ديسمبر المجيدة من خلال ترسيخ مبدأ سيادة حكم القانون ليكون ممارسة واقعية في حياة و معاش العباد و أمان و استقرار البلاد و لن يتحقق ذلك إلا إذا تضمنت ثورة الإصلاح العادلى والحقوقى قيام و بناء هياكل و المؤسسات والأجهزة العدلية والحقوقية على الكفاءة المهنية والنزاهة والشفافية والانصاف بعيد جداً عن الألوان السياسية والقبلية والجهوية والمناطقية وفى مقدمتها المحكمة الدستورية العليا و مجلسا القضاء العالي و النيابة العامة باعتبارها من الأجهزة والمؤسسات المهمة جدا لنجاح وإنجاز إنتقال مدني ديمقراطي نافع و ناجع.



