
أسامة العوض..يكتب..غوانتانامو.. درسٌ يجب أن لا نكرره في السودان
في لحظة تأمل ومراجعة مع النفس، تذكرت صديقاً لي كان يزاملني ويرافقني طيلة فترة هذه الحرب. وفي لحظة غدر وحقد، اقتاده هؤلاء الجنجويد الأوغاد إلى معتقل من معتقلاتهم.سألنا عنه وعن تهمته، فقالوا إنه (فلول). وسألنا آخرين منهم فقالوا إنه (كوز). ثم سألنا آخرين فقالوا إنه (شغال في الطيران). وتفرقت تهمته وتبعثرت بين هؤلاء الأوغاد، ولم نيأس.
حملت ذكراه بين جوانحي، وبكبرياء إنسانيتي تذكرت كيف يكون اعتقال الأبرياء وظلمهم واختلاق التهم الموجهة إليهم. وتذكرت سجوناً ومعتقلات من التاريخ الماضي، وفي الحاضر، لتعذيب البشر.تذكرت غوانتانامو وما دار حوله من تعذيب للناس من كل أصقاع كوكب الأرض، وتذكرت سجن أبو غريب وكل سجون هذه الدنيا.وفي نظرة سريعة خاطفة، نتتبع سجن غوانتانامو وما حلّ بالبشرية داخله، وما فعلته مليشيا الجنجويد في معتقلاتها.
عندما فتحت أمريكا معتقل غوانتانامو في يناير 2002، قالت للعالم إنها تفعل ذلك لحماية الأمن القومي الأمريكي من الإرهاب.وعندما نطالب نحن اليوم في السودان بمحاكمات استثنائية وسريعة وعلنية للذين قتلوا ونهبوا واغتصبوا، نقول أيضاً إننا نفعل ذلك لحماية الأمن القومي السوداني.التشابه في المبرر مخيف، والفرق في النتيجة يجب أن يكون هو درسنا.فغوانتانامو لم يبدأ كسجن للتعذيب، بدأ كفكرة مفادها: “هؤلاء خطرون جداً، والقانون العادي بطيء، والمحاكم العادية لن تنصفنا، فلنخلق لهم قانوناً خاصاً بهم، خارج القانون”.
وهنا كانت الكارثة.
ماذا فعلت أمريكا في غوانتانامو؟أخذت أكثر من 700 رجل من أفغانستان والعراق واليمن والسودان وباكستان، وألقت بهم في جزيرة بعيدة، وخلعت عنهم صفتهم الإنسانية قبل أن تخلع عنهم صفتهم القانونية. فلا هم أسرى حرب تحميهم اتفاقية جنيف، ولا هم متهمون جنائيون تحميهم المحكمة.ابتكرت لهم اسماً جديداً: “مقاتلون أعداء”. اسم لا يوجد في أي قانون في العالم، لكنه سمح لها أن تحتجزهم عشرين سنة دون تهمة، دون محامٍ، دون أن يعرف أهلهم أين هم.والنتيجة المحصلة من ذلك، وبعد 24 سنة، اعترفت أمريكا نفسها أن أغلب من كانوا في غوانتانامو كانوا أبرياء، هكذا بكل بساطة في القول!باعهم بعضهم بعضاً مقابل مكافأة مالية. بعضهم كان سائقاً، وبعضهم كان طباخاً، وبعضهم كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.لكن حياتهم ضاعت، وسمعة أمريكا كدولة عدالة ضاعت معها. وأصبح غوانتانامو، الذي أُنشئ ليحمي أمريكا من الإرهاب، هو أكبر مصنع للدعاية الإرهابية في العالم. كل تنظيم متطرف كان يقول لشبابه: انظروا، هذه هي عدالة أمريكا.وماذا يحدث عندنا اليوم؟نحن في السودان خرجنا من حرب لم يشهد تاريخنا مثلها. جرائم ارتكبتها المليشيا لا ينكرها إلا أعمى أو مكابر سياسي أو غافل. قتل ونهب واغتصاب وتهجير وحرق بيوت. جراح الناس حارة تدمي القلوب، ودموع الأمهات لم تجف بعد.
ومن الطبيعي أن يصرخ الناس: نريد محاكمات سريعة، نريد القصاص الآن، نريد محاكم استثنائية لا ترحم هؤلاء القتلة.وهذا الشعور مفهوم وإنساني ومشروع، فالضحية تريد أن ترى قاتلها معلقاً على حبل المشنقة اليوم قبل الغد.لكن هنا بالضبط، يجب أن نتوقف ونسأل: هل نريد عدالة تُشفي صدورنا، أم انتقاماً يُشبهنا بالمجرم؟الخطر: أن نصنع غوانتانامو سودانياً الخطر ليس في أن نحاكم المجرمين، الخطر أن نحاكمهم خارج القانون.إذا أنشأنا محاكم استثنائية لا يعرف فيها المتهم تهمته، ولا يُسمح له بمحامٍ، ولا تُعرض فيها الأدلة علناً، ولا يحق له أن يستأنف، فإننا سنكون قد صنعنا غوانتانامو سودانياً، ولو بحسن نية.
وغوانتانامو السوداني سيكون أخطر من الأمريكي، لأننا دولة ما زالت تبني نفسها من تحت الرماد والركام. فإذا بدأنا البناء بحجر ظلم، سينهار البناء كله.من سيضمن أن المحاكم الاستثنائية اليوم ستحاكم المجرم الحقيقي فقط؟ ومن سيضمن أنها لن تُستخدم غداً لتصفية الخصوم السياسيين؟ ومن سيضمن أن المظلوم الذي سُجن ظلماً في هذه المحاكم لن يتحول هو وأهله إلى حاقدين على الدولة، فيحملون السلاح غداً انتقاماً؟أمريكا، وهي أقوى دولة في العالم، لم تستطع أن تمنع غوانتانامو من أن يتحول إلى وصمة، فكيف نستطيع نحن؟ما هو البديل؟ ليس البراءة، بل العدالة القوية.نحن لا نقول: سامحوا القتلة الذين كانوا يتلذذون بالقتل والقهر. ونحن لا نقول: انتظروا عشرين سنة.نقول: حاكموا كل مجرم، ولكن حاكموه محاكمة تليق بدولة تريد أن تكون دولة عدالة.
▪️ محاكم وطنية عادلة وعلنية، لا محاكم سرية:
المحاكمة يجب أن تنقل على الهواء. ليرى الشعب كله الأدلة. ليرى القاتل وهو يواجه ضحيته بالقانون، لا بالصراخ. هذه هي أقوى رسالة ردع.
▪️قضاء مستقل، لا قضاء تعبئة:
القاضي الذي يحكم تحت ضغط الشارع والغضب، ليس قاضياً، بل هو أداة انتقام. نريد قاضياً يخاف من الله والقانون فقط، لا من هاشتاق في الفيسبوك.
▪️التمييز بين المجرم والمغرر به:
ليس كل من حمل السلاح قاتلاً بنفس الدرجة. هناك قائد خطط، وهناك جندي نفذ، وهناك طفل جُند. العدالة الحقيقية تفرق بينهم، والانتقام لا يفرق.
▪️توثيق الجرائم لا الانتقام منها:
قبل المحاكمة، نحتاج إلى لجنة توثيق وطنية، تجمع الأدلة والشهادات والصور والفيديوهات، بطريقة قانونية صحيحة، حتى لا يخرج مجرم من المحكمة بسبب خطأ في الإجراءات، كما حدث في كثير من دول العالم.
أخيراً وليس آخراً:
غوانتانامو يعلمنا أن الدولة التي تضحي بالعدالة من أجل الأمن، تخسر الاثنين معاً. تخسر الأمن لأنها تصنع أعداء جدداً، وتخسر العدالة لأنها تصبح مثل عدوها.والسودان القادم الذي نحلم به، لا يجب أن يبدأ تاريخه بسجن خارج القانون، بل يجب أن يبدأ بمحكمة داخل القانون.نريد أن يرى العالم أننا، رغم كل ما فعلوه بنا، لم نفقد إنسانيتنا. أننا حاكمنا القتلة، ولم نقتل مثلهم. وأننا انتصرنا عليهم بالأخلاق قبل أن ننتصر عليهم بالسلاح.فالانتصار الحقيقي ليس أن نعلق المشنقة في الساحة العامة، بل أن نجعل العالم كله يقول: هذا هو السودان الجديد، دولة لا تنتقم، بل تحاكم.غداً سنرى بوضوح أكثر معالم الطريق القادم.




