الأخبار

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..موازنة المعنى والعدالة.. قراءة في أبعاد قرار شطب البلاغات وضمانات الحوار السوداني

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..موازنة المعنى والعدالة.. قراءة في أبعاد قرار شطب البلاغات وضمانات الحوار السوداني

يشكّل القرار الأخير لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القاضي بشطب البلاغات والجراحات القضائية ذات الطابع السياسي وتوفير الحصانات الإجرائية للفاعلين العائدين للمشاركة في الحوار السوداني – السوداني، عتبة جديدة في مسار الأزمة الوطنية المتطاولة. وإن قُرئ الخطاب للوهلة الأولى بوصفه إجراءً كلاسيكياً لتهيئة المناخ وتمهيد الطريق نحو طاولة التوافق، إلا أن غوصاً تحليلياً في دوافعه ومآلاته يكشف عن أبعاد متداخلة تتقاطع فيها أولوية الدولة الأمنية مع مقاصد التشريع والعدالة الحقوقية.

إن أعمق ما يحمله هذا القرار ينطوي على أبعاد جيوسياسية وسياسية قد تخفى عن الخطاب السائد؛ فالقيادة السياسية تحاول عبر هذه الخطوة نزع الذرائع الدولية والإقليمية التي طالما اتهمت مؤسسات الدولة بالإقصاء وتسيير العدالة بغرض التصفية السياسية. ومن هنا يُمثّل القرار محاولة جادة لإعادة المبادرة إلى الداخل، وتفويت الفرصة على التدخلات الخارجية عبر تقديم ضمانات واقعية لشراكة وطنية لا تستثني أحداً سوى من تلطخت أيديهم بالجرائم المباشرة، مما يمهد لنزع حالة الاستقطاب وإعادة ترميم النسيج السياسي المتهالك.

وعلى الصعيد الفقهي والقانوني، يقف القرار عند منطقة حرجة وشائكة تتمثل في التمايز العضوي بين الحق العام والحق الخاص. فالقواعد الأصولية والمبادئ المستقرة تقرّ بأن الحق الخاص أصلٌ لا يملك إسقاطه ولا التنازل عنه إلا صاحبه أو وليّه المباشر. بيد أن القيادة الانتقالية تجد نفسها أمام مفترق طرق يستدعي التوسل بالقاعدة الأصولية الفقهية المعتبرة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، و يُتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام . إن المصلحة الوطنية العليا في هذه اللحظة المفصلية ترتكز على إيقاف نزيف الدم ودرء مفسدة الشتات والانقسام الأمني والسياسي، وهو ما يقتضي استثناءً تقديم مصلحة بقاء الدولة والعبور بها نحو مرافئ السلام على الحساب الصارم للمسارات الجنائية الفرعية.ومع إدراك الدواعي الوطنية التي أملت هذا التوجه، يظل النقص الجوهري في هذه المعادلة متمثلاً في غياب أصحاب الحق الخاص عن المشهد التنفيذي للقرار. فإن نجاح الحوار والوصول به إلى مربع السلام واستدامة لمّ الشمل يتطلب ألّا تُختزل العدالة في التسويات السياسية وحدها ؛ إذ إن تجاوز المتضررين المباشرين من وليّ دم أو أصحاب حقوق عينية وشخصية قد يزرع بذور غبنٍ مستقبلي يُهدد أركان السلم الاجتماعي ذاته.

كان الأجدر بالمؤسسة القيادية أن تقرن القرار بمبادرة وطنية لمخاطبة أصحاب الحق الخاص بصورة مباشرة وصريحة، وإشراكهم في العملية كطرف أصيل عبر آليات العدالة الانتقالية ، والعفو المشروط، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية الشاملة. إن مخاطبة أصحاب الحقوق وإشراكهم في تقديم التنازلات لصالح الوطن لا يحفظ هيبة القانون ومشاعر الضحايا فحسب، إنما يحول إسقاط البلاغات من مجرد قرار سياسي ومناورة إجرائية إلى قرار مجتمعي متين يُرسي قواعد للسلام الدائم، ويمنع تجدد أسباب الصراع تحت أي مسمى آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى