اعمدة ومقالات الرأى

د.أسماعيل الحكيم .. يكتب الجنيه يترنح… والحكومة تتفرج

الخرطوم: الرسالة نيوز

د.أسماعيل الحكيم .. يكتب الجنيه يترنح… والحكومة تتفرج

الجنيه السوداني لا يهبط وحده؛ إنه يسحب معه قدرة المواطن على العيش، ويأكل راتبه ومدخراته، ويضع أصحاب الدخول المحدودة أمام امتحانٍ قاسٍ لا يحتمل التأجيل . ففي وقتٍ تتصاعد فيه ألسنة اللهب في أطراف البلاد، تدور في الخفاء حربٌ لا تقل ضراوة ولا شراسة عن حرب الميدان ؛ حربٌ صامتة تستهدف القوة الشرائية للمواطن وتدكّ حصون ما تبقى من الدولة السودانية. ينحدر الجنيه السوداني اليوم نحو قاع غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، يسقط سديداً ودون مقاومة، وكأنه أُلقي من شاهق في هاوية الانهيار، بينما يقف المشهد الحكومي موقفه الأثير: الصمت المريب، والفرجة السلبية، والعجز الناطق.

إن السقوط المريع للعملة الوطنية لم يعد مؤشراً في شاشات التداول أو معادلة رياضية في أروقة البنوك؛ وإنما تحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي. فحين تضعف العملة وتتلاشى قيمتها، ينحل عقد الاستقرار الأمني، وتتسع رقعة الانفلات، إذ تجد الجريمة بيئة خصبة في رحم الحاجة، ويتحول الفقر المدقع إلى وقود حيواني للجريمة المنظمة والسخط الشعبي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يبدو المشهد كأنها عملية إعدام منظم للطبقة الوسطى، وتجويع متعمد للطبقات الضعيفة. لقد تهاوت القدرة الشرائية للناس، وصارت الأجور حبراً على ورق لا تسمن ولا تغني من جوع، وارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى أرقام فلكية تزاحم السحاب. إن اقتصاداً بلا عملة متماسكة هو شراع في عاصفة، وحين ترفع الدولة يدها عن ضبط السوق وملاحقة المضاربين، فإنها تسلم رقاب مواطنيها لسماسرة الأزمات وتجار الحرب.

ولم تقتصر آثار هذا التداعي على الأرقام والمؤشرات، فقد نفذت سمومها إلى النسيج الاجتماعي . لتتفكك الأسر اليوم تحت وطأة العوز، وتتوارى صور التكافل التاريخية أمام قسوة الظروف. وحين يعجز الأب عن توفير دواء طفله أو لقيمات تقيم صلب أسرته، تصبح المروءة عبئاً، وتتحول العلاقات الاجتماعية إلى ضحايا جانبية لمعركة البقاء الشرسة.

أما الجانب الأخلاقي، فهو الخسارة الأشد إيلاماً والأعمق أثراً. فمع امتداد يد الفقر وتلاشي الأمل، تختل الموازين والقيم، ويحل المنطق البراغماتي الضيق محل النزاهة والضمير. لتصبح الرشوة “تدبيراً للأمور”، والسرقة “شطارة”، والاحتيال “ذكاءً”. إن انهيار العملة لا يفقر الجيوب فحسب، وإنما يعري الأخلاق، ويجرف القيم، ويترك المجتمع هباءً ذارياً أمام طوفان الحاجة.

أمام هذا الحريق المشتعل، لا يزال الموقف الرسمي مفتقراً للرؤية والشجاعة. حكومة تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، تكتفي ببيانات خجولة أو تشكيل لجان لا تسفر إلا عن المزيد من الفشل. إن الاستمرار في سياسة سيادة الصمت وترك الجنيه ليواجه مصيره أمام المضاربات والفساد لم يكن في نظري تقصيراً إدارياً ، لكنه تفريط صريح بأمن البلاد ومستقبلها.

إن إنقاذ الجنيه ليس حلاً اقتصادياً فقط ، بل هو معركة وجود؛ معركة تتطلب إرادة سياسية حازمة، وسياسات نقدية صارمة، وضرباً بيد من حديد على أيدي المضاربين والمهربين، وإعادة بناء ثقة المواطن بأسس دولته. إن الجنيه يترنح، وإن لم تستفق السلطة من غفلتها وتتحرك قبل فوات الأوان، فإن الصرح سيهوى بكليته على رؤوس الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى