
د. أحمد علي قلم..يكتب..حين تصبح التفاهة قدوة ..
ليست المشكلة أن يغني فنان، أو يبدع رياضي، أو يحقق شخص شهرة واسعة. المشكلة تبدأ حين تتحول الشهرة إلى قيمة، والتفاهة إلى بطولة، والابتذال إلى حرية، والاسترخاص إلى نموذج يُحتذى.اليوم تتكاثر مهرجانات الضجيج والعري ، وتتسع مساحات الاستعراض، ويصعد إلى الواجهة أشخاص لا يملكون بالضرورة علمًا أو معرفة أو إنجازًا حقيقيًا، وإنما يملكون قدرة هائلة على جذب الانتباه قدرات مبتذلة و رخيصة.
ومع اتساع وسائل التواصل، لم تعد القدوة تُصنع بالضرورة في المدرسة أو الأسرة أو المختبر أو المستشفى أو ميدان العمل، بل قد تصنعها خوارزمية، وتمنحها الشهرة لمن يثير الجدل أكثر، ويستعرض أكثر، ويكسر حدود الذوق العام أكثر.وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، بل مما نكافئه أمامه.حين يرى أن صاحب المحتوى السطحي يحظى بالتصفيق والشهرة، بينما المعلم يكدح بصمت، والطبيب يسهر على حياة المرضى، والباحث يعمل سنوات دون ضجيج، والعامل يبني بعرقه، والفلاح ينتج الغذاء، والجندي يحمي الوطن، فإن الرسالة التي تصل إليه ليست محايدة.
إنها تقول له، بصورة غير مباشرة:لا تكن الأفضل… كن الأشهر.لا تبحث عن الإنجاز… ابحث عن المشاهدة.لا تبنِ قيمة حقيقية… اصنع ضجة.وهنا يبدأ اختلال سلم القيم.حين نفرش السجاد الأحمر للشهرة، بينما نهمل أصحاب العلم والعمل والخدمة العامة، فإننا لا نحتفل فقط بأشخاص، بل نعيد تعريف معنى النجاح في وعي الأجيال.وحين يصبح فوز فريق رياضي مناسبة وطنية كبرى، بينما لا نعرف أسماء العلماء الذين يعملون بصمت من أجل مستقبل البلاد ، وحين يتحول لقب فني أو شهرة عابرة إلى ( إنجاز أمة ). بينما يظل المعلم والباحث والطبيب والعامل والجندي في الصفوف الخلفية، فعلينا أن نتوقف ونسأل:
ماذا نعلّم أبناءنا عن معنى المجد؟المشكلة كذلك ليست في الاختلاف أو التجديد أو الفن أو الحرية.فالحرية لا تعني سقوط كل الحدود، والتجديد لا يعني ازدراء المجتمع، والتحرر لا يعني الابتذال، ورفض الجمود لا يعني نبذ كل العادات والتقاليد.هناك فرق كبير بين تطور المجتمع وبين تفكيك منظومته الأخلاقية بلا بديل.فالعادات والتقاليد ليست كلها مقدسة، وبعضها يحتاج فعلًا إلى مراجعة وتطوير، لكن المجتمع الذي يهدم كل مرجعياته دفعة واحدة ثم لا يقدم للأجيال بديلًا أخلاقيًا وفكريًا متماسكًا، يترك أبناءه أمام فراغ قيمي خطير.
علّموا أطفالنا أن العري ليس بطولة، والابتذال ليس حرية، والاسترخاص ليس جرأة، وقلة الأدب ليست شجاعة، وإثارة الجدل ليست إنجازًا.علّموهم أن الشهرة ليست دليلًا على العظمة، وأن المال ليس دليلًا على الاستحقاق، وأن عدد المتابعين لا يساوي عدد الإنجازات.الأسطورة الحقيقية ليست من تصدر الشاشات فحسب، بل من ترك أثرًا نافعًا بعد أن تنطفئ الأضواء.
العالِم الذي اكتشف وأنار طريقًا جديدًا أسطورة.المعلم الذي صنع أجيالًا أسطورة.الطبيب الذي أنقذ حياة أسطورة.الباحث الذي قضى سنوات في خدمة المعرفة أسطورة.العامل الذي أتقن عمله وأعطى وطنه من جهده أسطورة.الفلاح الذي أطعم الناس أسطورة.والجندي الذي أدى واجبه بشرف وفاضت دماؤه في سبيل كرامة الوطن أسطورة.وكل إنسان خدم الناس بصدق، وحافظ على كرامته ونزاهته في زمن الإغراء والابتذال، يستحق أن يُحتفى به.لكن مسؤولية حماية هذا الميزان لا تقع على الأسرة وحدها.
الدولة أيضًا لها دور.
الدولة التي تحترم نفسها لا تقف متفرجة على تفكك المجال العام، ولا تسمح بأن تتحول حماية الأطفال والأسرة والمجتمع إلى شأن هامشي.نحن بحاجة إلى هيبة دولة حقيقية، لا إلى قمع، إلى قانون واضح يضع حدودًا للمحتوى الذي يستهدف الأطفال، ويحمي القاصرين من الاستغلال، ويواجه خطاب الكراهية والتحريض والإساءة والتشهير، ويحفظ النظام العام والآداب العامة، ويحاسب المتجاوزين وفق القانون، دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لخنق الإبداع أو مصادرة الرأي.القوة الحقيقية للدولة ليست في البطش، وإنما في قدرتها على تطبيق القانون بعدالة على الجميع.
أن تحمي الشريف من أن يُدفع إلى الهامش لأن صوته هادئ، وأن تحمي الطفل من أن يصبح سلعة للمشاهدات، وأن تحمي المرأة والرجل والأسرة من الاستغلال والإهانة، وأن تردع من يتعمد تحويل الفضاء العام إلى سوق للابتذال والفوضى.فالحرية بلا مسؤولية تتحول إلى فوضى، والسلطة بلا قانون تتحول إلى استبداد.وبين الاثنين يجب أن يقف القانون والوعي والأسرة والتعليم والدولة.نريد مجتمعًا لا يحارب الفن، ولكنه يرفض أن يصبح الابتذال هو الفن الوحيد الذي يحظى بالتصفيق.
ولا يحارب الرياضة، ولكنه يرفض أن تصبح الملاعب أهم من المدارس والمختبرات والمستشفيات وساحات الفداء.ولا يحارب الشهرة، ولكنه يرفض أن تصبح الشهرة بديلًا عن الكفاءة.ولا يرفض التطور، ولكنه يرفض أن يكون ثمن التطور هو اقتلاع المجتمع من جذوره الأخلاقية والثقافية.علّموا أطفالنا أن المجد في العلم، والكرامة في العمل، والقوة في المسؤولية، والجمال في الأخلاق، والعطاء هو البطولة الحقيقية.شجّعوهم حين يجتهدون، واحتضنوهم حين يخطئون، وعلّموهم أن الحياة ليست مسرحًا لاستعراض الذات، ولا ملعبًا للمنافسة على التصفيق ، بل هي رسالة ومسؤولية وأثر.
كفانا صناعةً عشوائية للقدوات.نحن لا نحتاج إلى مزيد من المشاهير بقدر ما نحتاج إلى مزيد من القدوات.نريد أن يرى أطفالنا في المعلم بطلًا، وفي الطبيب بطلًا، وفي العالم بطلًا، وفي العامل بطلًا، وفي المزارع بطلًا، وفي الجندي الشريف بطلًا، وفي كل إنسان نزيه يخدم مجتمعه بطلًا.فالأمم لا تنهض بالضجيج.ولا تُبنى بالشهرة.ولا تُقاس عظمتها بعدد المتابعين.الأمم تنهض حين يصبح العلم قيمة، والعمل كرامة، والأخلاق قوة، والمسؤولية شرفًا، وحين يعرف أبناؤها أن أعظم إنجاز ليس أن يراك الناس… بل أن يحتاج الناس إلى ما قدمته لهم.




