اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..الخرطوم والرياض.. سفير جديد على أعتاب مرحلة جديدة

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..الخرطوم والرياض.. سفير جديد على أعتاب مرحلة جديدة

 

ليست كل مراسم الاعتماد مجرد بروتوكول، فبعضها يأتي محمّلاً بالرسائل، وتصبح تفاصيله الصغيرة أكبر من أن تُقرأ بمعزل عن توقيتها ومكانها. ومن هنا تبدو مراسم اعتماد السفير السعودي الجديد لدى السودان حدثاً يتجاوز حدود المراسم إلى دلالات السياسة والعلاقات بين الدول.

تسلّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، أوراق اعتماد السفير السعودي الجديد، في القصر الجمهوري بالعاصمة القومية الخرطوم، في مشهد بالغ الدلالة، خصوصاً أنه يأتي بعد غياب طويل عن هذا الصرح السيادي منذ اندلاع الحرب.

القصر الجمهوري الذي ظل طوال سنوات الحرب بعيداً عن حركة الدولة الرسمية، يستعيد اليوم شيئاً من عافيته الرمزية، ويعود رئيس مجلس السيادة لمباشرة نشاطه من داخله بعد استعادة الخرطوم، لتكون أولى محطات هذا النشاط استقبال ممثل المملكة العربية السعودية.

وفي السياسة، ليست المصادفات دائماً بريئة. أن يكون السفير السعودي الجديد أول سفير تُعتمد أوراقه رسمياً من داخل القصر الجمهوري بعد عودة النشاط إليه، فذلك يحمل رسالة واضحة عن خصوصية العلاقة بين الخرطوم والرياض، وعن المكانة التي تحتلها المملكة في الحسابات السودانية.

السفير الجديد يصل إلى الخرطوم خلفاً للسفير علي بن حسن بن جعفر، الذي ترك خلال سنوات عمله حضوراً يصعب تجاهله، فقد كان من أكثر السفراء حركة داخل السودان، وأكثرهم وصولاً إلى الولايات والمجتمعات المحلية.

طاف السفير السابق أرجاء واسعة من السودان، والتقى بقيادات الإدارة الأهلية ورموز المجتمع وشخصيات مختلفة، حتى أصبح حضوره في المشهد العام مألوفاً، وصار واحداً من أكثر السفراء حضوراً في المناسبات والفعاليات.

وكان الرجل أيضاً شديد الحضور أمام عدسات الإعلام، وهو أمر جعل تجربته الدبلوماسية مختلفة عن تجارب عدد من السفراء الذين آثروا أن يظل نشاطهم في حدود اللقاءات الرسمية والمناسبات البروتوكولية. لكن النشاط الدبلوماسي، مهما اتسع، تظل له ضوابطه وحدوده، ولهذا كان طبيعياً أن تحرص إدارة المراسم بوزارة الخارجية السودانية على تنظيم اللقاءات التي يعقدها السفراء مع المكونات المجتمعية، بما ينسجم مع الأعراف الدبلوماسية ويحفظ للدولة سيادتها وتنظيمها الرسمي.

أما الآن فقد أُغلقت صفحة، وبدأت صفحة جديدة. والسفير الجديد لا ينبغي أن يحمل على كتفيه إرث من سبقه، لا إيجابياته وحدها ولا ملاحظاته، وإنما عليه أن يصنع تجربته الخاصة من واقع المرحلة الجديدة.

والمهمة ليست سهلة. فالعلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية أكبر من أن تُختزل في سفير أو حكومة أو ظرف سياسي عابر. إنها علاقة صنعتها الجغرافيا، ورسختها الروابط الشعبية والدينية والتاريخية، ودعمتها المصالح المشتركة.

ولذلك فإن السفير الجديد أمام مسؤولية مضاعفة: أن يحافظ على هذه العلاقة، وأن يعمل على نقلها من مساحة المجاملات الدبلوماسية إلى شراكة أكثر عمقاً واتساعاً، في السياسة والاقتصاد والاستثمار والمجالات الإنسانية والتنموية.

والأهم من ذلك كله أن تتسم مهمته بالحكمة والتوازن، فالسودان اليوم ليس سودان ما قبل الحرب، والمشهد الداخلي شديد الحساسية، وأي دبلوماسية ناجحة تحتاج إلى معرفة دقيقة بحدود الدور، واحترام واضح لسيادة الدولة وشؤونها الداخلية.

للسفير أن يستمع إلى الجميع، وأن يلتقي بالجميع، وأن يفهم تعقيدات الواقع السوداني، لكن عليه في الوقت ذاته أن يدرك أن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها الدبلوماسية للعلاقات الثنائية هي الابتعاد عن أي صورة يمكن أن تُفهم باعتبارها تدخلاً في الشأن الداخلي.

ولقد التقيت السفير السعودي الجديد للمرة الأولى في مطار بورتسودان، خلال مناسبة استئناف شركة مصر للطيران رحلاتها إلى بورتسودان، وكان وقتها لم يقدم أوراق اعتماده رسمياً. وكان ذلك اللقاء الأول بيننا، قبل أن تبدأ مهمته الدبلوماسية بصورة رسمية.

أما علاقتي بالسفير السابق علي بن حسن بن جعفر، فلم تكن دائماً على وفاق. فقد وجهت إليه خلال فترة عمله انتقادات صحفية حادة، وأدى ذلك إلى توتر في العلاقة بيننا، بلغ ذروته في واقعة مؤسفة خلال إحدى المناسبات العامة.

ومع ذلك، فإن مغادرة الرجل للسودان يجب أن تضع حداً لأي خلاف شخصي، وأن تترك للتقييم الموضوعي مهمة الحكم على التجربة. فالصحافة حين تنتقد مسؤولاً أو دبلوماسياً لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية، كما أن الاختلاف لا يلغي حق كل طرف في الاحترام.

واليوم، لا أريد للسفير الجديد أن يرث شيئاً من تلك المساحات الرمادية. أريده أن يبدأ من نقطة مختلفة، وأن يجعل من التوازن عنواناً لمهمته، ومن الاحترام المتبادل قاعدة لعلاقته مع الدولة السودانية ومؤسساتها ومجتمعها.

الرياض تحتاج إلى الخرطوم، والخرطوم تحتاج إلى الرياض، وليس من الحكمة أن تظل هذه الحقيقة أسيرة البيانات الدبلوماسية والعبارات البروتوكولية. المطلوب علاقة حقيقية تتحول فيها المواقف إلى مشاريع، والتقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي، والروابط التاريخية إلى شراكات تخدم الشعبين.

ولعل اعتماد السفير الجديد من داخل القصر الجمهوري بعد عودة الدولة إلى عاصمتها يحمل رسالة أخرى: أن السودان يستعيد مؤسساته ومواقعه الطبيعية، وأن الخرطوم تعود تدريجياً إلى قلب المشهد السياسي والدبلوماسي.

لذلك أتمنى للسفير السعودي الجديد كل النجاح والتوفيق في مهمته، وأن يكون عهده بداية لمرحلة أكثر نضجاً ورسوخاً في العلاقات بين البلدين، وأن يحمل معه إلى الخرطوم إرادة حقيقية لتعزيز التعاون وتوسيع جسور التواصل.

فالسودان لا يريد من الرياض مجرد سفير، والرياض لا تنتظر من الخرطوم مجرد بروتوكول. ما بين البلدين تاريخ طويل، ومصالح مشتركة، ووشائج لا تحتاج إلى كثير من الشرح. وما تحتاجه هذه العلاقة اليوم هو رجل دبلوماسي يعرف كيف يحافظ على التاريخ، ويقرأ الحاضر، ويبني للمستقبل.

تلك هي المهمة.. وتلك هي أمانة الموقع. والنجاح فيها لن يقاس بعدد الصور أمام عدسات الكاميرات، ولا بعدد اللقاءات، وإنما بقدر ما يستطيع السفير الجديد أن يضيفه إلى جسر العلاقة بين الخرطوم والرياض، دون ضجيج، ودون تجاوز، وبقدر كبير من الحكمة والاتزان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى