
د إسماعيل الحكبم .. يكتب..هدير في السماء ووعد على الأرض
لم يكن ما جرى في سماء أم درمان استعراضاً للطائرات ، وإنما استعراض للإرادة.
ولم يكن هدير المقاتلات ضجيج محركات تشق الفضاء، إنما كان صوت دولة تعلن أنها لم تفقد بوصلتها، وأن جيشها ما زال يملك زمام المبادرة، وأن الخرطوم، التي أرادها العابثون ساحةً للفوضى، تعود شيئاً فشيئاً إلى صورتها الطبيعية؛ عاصمةً يحرسها جيشها، وتظلها راية سيادتها.
في الحروب، لا تُطلق الجيوش رسائلها عبثاً. فلكل طلعة حساب، ولكل تشكيل معنى، ولكل هدير توقيت. ولذلك فإن اختيار القوات المسلحة السودانية لهذا اليوم، ولهذه السماء، ولهذا المشهد، لم يكن مصادفة عسكرية، ولكنه قرار سيادي أراد أن يقول للجميع إن ساعة التردد قد مضت، وإن ساعة الحسم تمضي وفق ما تراه القيادة العسكرية.
لقد جاءت المقاتلات لتقول ما تعجز عنه الخطب الطويلة. جاءت لتعلن أن الدولة ما تزال حية، وأن مؤسساتها لم تُكسر، وأن جيشها لا يقاتل بردة فعل، بل بعقيدة راسخة، وخطة ممتدة، وإيمان لا تهزه العواصف.
ولذلك، فإن هذا الاستعراض لم يكن موجهاً إلى الداخل وحده، بل إلى دوائر أبعد من حدود الوطن. إلى أولئك الذين ظنوا أن الزمن كفيل بإضعاف الدولة، وأن طول أمد الحرب سيُرهق مؤسساتها، وأن كثرة الدعم الذي يتدفق إلى خصومها ستصنع واقعاً جديداً. فجاء الجواب من السماء، لا بالخطابات، وإنما بالفعل؛ والفعل، في لغة الجيوش، أبلغ من كل البيانات.
ثم جاءت الرسالة الثانية أكثر وضوحاً. تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التي أكد فيها أن القوات المسلحة ماضية حتى بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، لم تبق كلمات تتردد في المنابر، بل وجدتها السماء تترجم إلى صورة، ووجدها الناس تتحول إلى مشهد. وهكذا تصنع الجيوش الكبيرة الفارق؛ لا تكثر من الوعد، وإنما تجعل الوعد يلبس ثوب الفعل.
أما الذين يقفون خلف استمرار هذه الحرب، تمويلاً أو تسليحاً أو إسناداً سياسياً، فإنهم مطالبون بإعادة قراءة المشهد بعين أكثر واقعية. فالحروب لا تُقاس بما يدخلها من عتاد فحسب، وإنما أيضاً بما تمتلكه الدول من قدرة على الصمود، وما تحتفظ به من مؤسسات، وما تبديه من عدة وعتاد وإرادة. وكل استعراض قوة هو في جوهره تذكير بأن ميزان الصراع لا يُقرأ من زاوية واحدة.
ويبقى الشعب السوداني هو صاحب الرسالة الكبرى. فهذا الجيش لا يستمد قوته من معداته وحدها، وإنما من التفاف المواطنين حول مؤسسات الدولة، ومن وحدة الصف، ومن الإيمان بأن تجاوز المحنة يحتاج إلى تماسك المجتمع كما يحتاج إلى صلابة الميدان. فكلما اشتدت الجبهة الداخلية وحدة واتحادا ، ازدادت قدرة الدولة على تثبيت الأمن وتهيئة الطريق إلى الاستقرار.
لقد حلقت الطائرات فوق أم درمان، لكنها في الحقيقة مرت فوق رؤوس المشككين، وحلقت فوق حسابات المراهنين، وكتبت في فضاء الخرطوم سطوراً لا يمحوها الجدل. كانت تقول إن الدولة حين تستعيد ثقتها بنفسها، يصبح لصوتها وزن، ولحركتها معنى، ولرسائلها أثر.
وهكذا، لم يكن المشهد مجرد طائرات في السماء، إنما كان لحظةً سياسية وعسكرية مكثفة، اختلط فيها هدير المحركات بنبض الوطن، والتقت فيها إرادة المؤسسة العسكرية مع تطلع السودانيين إلى الأمن والاستقرار. وحين تتكلم السماء بلغة القوة، فإنها لا تدعو إلى الضجيج، وإنما تذكّر بأن السيادة لا تُصان إلا بمؤسسات قادرة، وشعب متماسك، وإرادة لا تعرف الانكسار.




