
تقرير – الرسالة نيوز
شهدت جبهات العمليات العسكرية في المحور الغربي من البلاد تحولات دراماتيكية متسارعة، حيث نفّذت القوات المسلحة السودانية، مسنودة بالتشكيلات المقاتلة للقوة المشتركة وحركات الكفاح المسلح وإسناد المقاومة الشعبية، عمليات تعرضية واسعة النطاق ومباغتة، أفضت إلى إحكام السيطرة العملياتية الكاملة على محلية كلبس، والتقدم التكتيكي الحثيث صوب جبل مون وحواضنه الحيوية في منطقة صليعة، وصولاً إلى بئر كليكيل، في مناورة عسكرية وصفتها الدوائر المراقبة بأنها الأكثر مباغتة وإرباكاً للعدو منذ اندلاع الأعمال العدائية، مما أحدث تبدلاً جذرياً في الموقف العملياتي بإقليم دارفور، بانتقال القوات الصديقة من استراتيجية الدفاع النشط إلى تنفيذ هجمات تعرضية عميقة في عمق المناطق التي كانت تُصنف كمعاقل استراتيجية ومراكز ثقل لوجستي لمليشيا الدعم السريع المتمردة في ولاية غرب دارفور، وتُشير المعطيات الميدانية إلى أن الضغط العسكري المتصاعد بات يُطوّق الحافة الأمامية للدفاعات عن مدينة الجنينة، العاصمة الإدارية للولاية.
التمويه الاستراتيجي: السرية التامة والصمت اللاسلكي يُربكان حسابات المتمردين
وعلى خلاف التقديرات الاستخبارية للمتابعين، لم يكن المحور الغربي المنطلق من الحدود المتاخمة لدولة تشاد مرشحاً في الحسابات التقليدية ليكون مسرحاً لعمليات هجومية واسعة النطاق، نظراً لتعقيد التضاريس الجغرافية، وصعوبة التأمين اللوجستي، وبعده عن خطوط الإمداد والتأمين الرئيسية، غير أن مجريات الخطط العسكرية أثبتت أن قيادة القوات المسلحة كانت تعمل على تهيئة وإعداد هذا المحور تحت غطاء من السرية التامة والصمت اللاسلكي، قبل أن تُطلق أعيرة الهجوم المتزامن والسريع، مما أفقد القوات المتمردة زمام المبادرة وسيطرتها على الموقف الميداني، وفي هذا الصدد، يرى خبراء ومراقبون أن التصريحات العسكرية السابقة لمساعد القائد العام للجيش، الفريق أول ركن ياسر العطا، بشأن نقل العمليات الحربية إلى دارفور، لم تكن للاستهلاك الإعلامي، بل كانت تعبيراً عن خطة استراتيجية بدأت تتجسد واقعاً ملموساً عبر التقدم المتسارع على الأرض.
حصيلة العمليات: خسائر فادحة في العتاد وسقوط الارتكازات الدفاعية للمليشيا
وفي بيان رسمي، أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة عن نجاح الهجوم الشامل في مدينة كلبس والمناطق المحيطة بها، مؤكداً دحر تجمعات المليشيا وإجبارها على الانسحاب القهري بعد تكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وطبقاً للإحصائيات العسكرية، أسفرت العمليات عن تدمير 10 عربات قتالية بكامل أطقمها، واستعادة والسيطرة على 29 عربة قتالية أخرى مجهزة عسكرياً، فضلاً عن تحييد أعداد كبيرة من القوة البشرية للعدو، وفي ذات التوقيت، بسطت القوة المشتركة سيطرتها الميدانية على محلية كلبس، وبثت توثيقاً مرئياً من داخل عمق جبل مون ومنطقة صليعة التي لا تبعد سوى 38 إلى 40 كيلومتراً من الحرم الأمني لمدينة الجنينة، مما يمثّل مؤشراً حاسماً على دنو العمليات البرية من عاصمة الولاية، كما واصلت القوات تقدمها لتطهير منطقة بئر كليكيل، والتي تمثل أحد أهم الارتكازات الدفاعية ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للواء المتمرد إدريس حسن.
السيادة الجوية: غارات مكثفة تضرب الجنينة وهروب جماعي لعائلات القادة
وفي تحول بارز يعكس تفوق السيادة الجوية، استأنف سلاح الجو السوداني تنفيذ غارات جوية مكثفة وقصف مساحي ومركز على الأهداف العسكرية للمليشيا داخل مدينة الجنينة بعد فترة من الانقطاع في هذا المحور، وأفادت تقارير استخبارية ميدانية بأن المقاتلات النفاثة من طراز ميج وطائرات القصف التعبوي أنتونوف وجّهت ضربات دقيقة لمقرات القيادة، ومخازن الذخيرة، وتجمعات الآليات التابعة للدعم السريع داخل المدينة، بالتزامن مع اقتراب القوات البرية من التخوم الخارجية، في خطة عسكرية تهدف إلى تدمير القدرات الدفاعية وقطع خطوط الاتصال العسكري للعدو تمهيداً للاقتحام البري المحتمل، وأدى هذا الضغط العسكري المزدوج إلى إحداث حالة من الارتباك الحاد والذعر التكتيكي في صفوف المتمردين داخل الجنينة، وسط مخاوف من حصار مطبق تفرضه القوات المسلحة والمشتركة، ورصدت الأجهزة الاستخبارية قيام قيادات ميدانية بارزة في المليشيا بإجلاء عائلاتهم وأسرهم على عجل نحو مدينتي زالنجي ونيالا إثر تدهور الموقف الأمني الداخلي، حيث تم توثيق هروب وإجلاء ما لا يقل عن 23 أسرة من عائلات القادة الميدانيين، وسط تدني الروح المعنوية، وتفشي ظاهرة الفرار من الخدمة بين مقاتلي المليشيا، مما يبرهن على حجم الضغوط العملياتية وخسارة المليشيا لمواقع حاكمة واستراتيجية خلال بضعة أيام.
جبهة كردفان: خنق خطوط الإمداد وتراجع عربات المليشيا نحو الضعين والفاشر
تزامناً مع جبهة دارفور، امتدت العمليات العسكرية بانسجام تكتيكي إلى ولاية شمال كردفان، حيث أعلنت غرفة طوارئ دار حمر أن الطيران الحربي والمنظومة المسيرة التابعة للجيش تمكنت من رصد وتدمير متحرك قتالي كامل تابع للمليشيا في منطقة أم صميمة، وذلك ضمن خطة العمليات الهادفة إلى تطهير وتأمين خطوط الإمداد والمحاور المؤدية إلى غرب السودان، وعلى خلفية هذه الضربات، رصدت الاستطلاعات العسكرية انسحاباً اضطرارياً لأكثر من 60 عربة قتالية للمليشيا من مدينة النهود باتجاه الفاشر، إلى جانب ارتداد وانسحاب أكثر من 80 عربة قتالية أخرى من مدينة الفولة صوب الضعين، في تحركات دفاعية يائسة من المليشيا لإعادة توزيع ما تبقى من قواتها المنهكة ومحاولة سد الثغرات المتسعة في جبهات دارفور.
أبعاد استراتيجية: خبراء يؤكدون صياغة معادلة عسكرية جديدة في غرب البلاد
ويجمع المحللون الاستراتيجيون والعسكريون على أن المجريات الميدانية الأخيرة تؤسس لمنعطف استراتيجي في مسار الحرب؛ حيث أوضح الخبير والمحلل مجاهد باسان أن العمليات التعرضية التي يقودها الجيش والقوة المشتركة في غرب دارفور فاجأت العدو في التوقيت والتخطيط والإعداد اللوجستي، مما أدى إلى شل قدراته على القيادة والسيطرة وبث الذعر في خطوطه الأمامية والخلفية، متوقعاً تصاعد وتيرة الانسحابات والتفكك العسكري في بنية المليشيا، ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد حسب الله، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الأمنية، أن الواقع الميداني الراهن يشير إلى تحول نوعي وعميق؛ فبعد فترة طويلة ظلت فيها الجنينة ومحيطها الجغرافي تحت وطأة تمرد الدعم السريع، تبدو المنطقة الآن مقبلة على صياغة معادلة عسكرية جديدة، عنوانها الأبرز إعادة رسم خارطة السيطرة والنفوذ الأمني بالكامل في ربوع غرب السودان لصالح الدولة وبسط هيبتها.




