اعمدة ومقالات الرأى

(رياح ورماح )مُحمّد قُور حامِد .. يكتب..غرب كردفان.. اتساع المساحة وضيق الأفق

الخرطوم: الرسالة نيوز

(رياح ورماح )مُحمّد قُور حامِد .. يكتب..غرب كردفان.. اتساع المساحة وضيق الأفق

رغم أنّ مساحة غرب كردفان تفوق مساحة دول، غير أنّ أفق نخبتها ظل أضيق من “خورٍ موسمي”. ولاية تتمدد على الخريطة بالكيلومترات، وتنكمش في عقول أبنائها بالولاءات والغنائم. فكيف لولاية بهذا الاتساع الجغرافي أن تعاني هذا الضيق التنموي والسياسي؟

منذ استقلال البلاد، ابتلى المركزُ أبناءَ غرب كردفان بمتلازمة خطيرة: “امتياز بلا مشروع”. كل الحكومات المتعاقبة استحوذت على نخب الولاية، لا لتمثل الولاية، بل لتمثل المركز داخل الولاية. فصار السؤال الذي يرسمه الناس في مجالس “التبون” و”الفولة” و”المجلد” و”بابنوسة” سؤالاً فلسفياً كونياً:

هل النخب من إنتاج الحكومات؟ أم تتناسل من صلب قبائلها؟

بمعنى أدق: هل من اُحتكرت لهم الامتيازاتُ السياسية بالتنصيب، ومن حُظوا بالامتيازات الاقتصادية بالمحاصصة، هم من صنعوا أزمة “الولاية الغنية الفقيرة”؟ ولاية ظلت لعقود تغذي الخزينة المركزية بنفطها ونعمها وأنعامها وفولها وصمغها، بينما تُغذى شرايين أبنائها ببارود الحرب.

البارود بدل التنمية.. إرث حكومة البشير الثيوقراطية

أبان حكم الإنقاذ، لم يكن دور أبناء غرب كردفان في المعادلة الوطنية دور “باني” بل دور “مقاتل”. غذت الولاية جبهات القتال بالرجال، لا بالمصانع. كانت ألوية المجاهدين وكتائب الدفاع الشعبي التي استشهدت في حرب جنوب السودان وغيرها، هي “صادرات” الولاية الأساسية.

استنزفوا دماء الشباب باسم الدين والوطن، لكنهم بخلوا على الولاية ذاتها بمدرسة أو مستشفى أو طريق مسفلت. هكذا تحولت غرب كردفان من “رافد اقتصادي” للمركز، إلى “رافد بشري” لحروبه.

واليوم، ما دور النخبة التي ما تزال محل تندر أهالي غرب كردفان؟ سياسيوها بعيدون عن رموز صناعة القرار السياسي في الخرطوم/بورتسودان، واقتصاديوها رهائن لعقود الشركات، ومثقفوها منشغلون بتبرير الفشل بدل تشريحه.

إلى أي مدى لعبت هذه التراكمات التاريخية دوراً في فشل نخب كردفان في تأسيس خطاب تنموي جامع؟ فبدل أن تؤس لخطاب “المواطنة”، أسست عن قصد أو جهل لخطاب كراهية قبلي. خطاب جعل من حربنا الداخلية “خارطة” – أي أداة رخيصة – للقتال باسم القبيلة. قبيلة شنقها مثقفوها بأنفسهم بـ”كرفتات الموت البطيء” حين اختاروا الولاء للغنيمة على الولاء للجغرافيا.

غرب كردفان لا تحتاج فقط لوزير بني تحتية شاب يستجدي المركز ولو بكتابة مذكرات تفاهم بغرض حسن الظن لانعاش الخدمات المتردية لولاية هجرها اهلها بسبب الحرب، بل تحتاج أولاً لنخبة تعقد صلحاً مع ذاتها. نخبة تفك الارتباط بين “الامتياز” و”الخيانة”، وبين “القبيلة” و”الوطن”.

فما فائدة طريق مسفلت يربط قرى الولاية، إذا كان أفق أبنائها لا يزال ضيقاً لدرجة لا يرى أبعد من مصلحة العشيرة؟علنا نعلم أنّ اتساع المساحة نعمة، غير أنّ ضيق الأفق نقمة. ولن تخرج غرب كردفان من دائرة “الغنية الفقيرة” إلا حين تتسع صدور أبنائها قبل أن تتسع شوارعها. ولو بعد حين، ولو بعد أن تضع الحربُ أوزارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى