
د. إسماعيل الحكيم..يكتب..الوقود عودة الدولة إلى قلب المعركة الاقتصادية
ليست كل القرارات الحكومية سواءً في أثرها أو دلالاتها، فبعضها يمر في زحام الأخبار مروراً عابراً، وبعضها الآخر يطرق أبواب المستقبل، ويبعث برسائل تتجاوز نص القرار إلى ما وراءه من رؤى وتوجهات وتحولات. ومن هذا الصنف الأخير يجيء قرار مجلس الوزراء السوداني بالدخول المباشر في شراء الوقود، منافساً للقطاع الخاص، وممسكاً بزمام واحدة من أكثر السلع حساسية وتأثيراً في الاقتصاد الوطني.
فالوقود لم يكن سلعة تُستورد لتباع في الأسواق، وإنما هو عصب الحياة الاقتصادية، ومفتاح الحركة في الزراعة والصناعة والنقل والتعدين والخدمات. وحيثما ارتفعت كلفته ارتفعت معها أسعار السلع، وحيثما اختل استقراره اختلت معه موازين السوق بأكملها.
لقد عاش الاقتصاد السوداني خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر مراحله قسوة وتعقيداً ، تضخم يلتهم الدخول، وعملة وطنية تتراجع أمام العملات الأجنبية بصورة مقلقة، وصادرات لا تزال دون مستوى الطموح، وعجز مستمر في ميزان المدفوعات، فيما يتزايد الطلب على الدولار في سوق تعاني أصلاً من شح في موارده ومحدودية في تدفقاته.
وفي قلب هذه المعادلة الصعبة ظلت فاتورة الوقود تمثل نزيفاً مستمراً للعملات الأجنبية، إذ تعتمد هذه السلعة الاستراتيجية بصورة شبه كاملة على الدولار في عمليات الاستيراد والتوريد والتأمين والشحن. ولذلك فإن أي سياسة تتعلق بإدارة هذا الملف لا يمكن النظر إليها باعتبارها شأناً تجارياً محضاً، إنما هي في حقيقتها قرار اقتصادي وسيادي يمس استقرار الدولة وأمنها الاقتصادي.
ولعل أهم ما يحمله القرار من دلالات أنه يعكس مراجعة عملية لمرحلة طويلة من سياسات التحرير الاقتصادي التي دفعت الدولة إلى التراجع التدريجي عن إدارة بعض القطاعات الاستراتيجية، تاركة المجال لقوى السوق والقطاع الخاص لتتولى إدارة ملفات ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين وعلى استقرار الاقتصاد الكلي.
ولا يعني ذلك بالضرورة إدانة القطاع الخاص أو التقليل من دوره الحيوي في التنمية والاستثمار، فالتجارب الاقتصادية الناجحة تقوم على شراكة متوازنة بين الدولة والسوق. غير أن التجارب ذاتها تؤكد أن هناك قطاعات وسلعاً استراتيجية لا تستطيع الدولة أن تتخلى عن مسؤوليتها تجاهها بالكامل، لأن آثارها تتجاوز حدود الربح والخسارة إلى الاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.
إن السؤال الحقيقي اليوم ، هل يحق للدولة أن تدخل هذا المجال؟ وهل تمتلك الدولة الرؤية والآليات والكفاءة التي تجعل من هذا التدخل أداة للإصلاح لا عبئاً جديداً على الاقتصاد؟
ولم تُقاس يوماً القرارات الكبرى بنبل أهدافها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق تلك الأهداف في الواقع. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون هذا القرار قد تأسس على دراسات دقيقة، ومعلومات موثوقة، ونماذج اقتصادية واضحة، وأن تكون الجهات المنفذة محددة المسؤوليات والاختصاصات، وأن تخضع العملية برمتها لأعلى درجات الرقابة والشفافية والمساءلة.
إن النجاح في إدارة ملف الوقود يمكن أن ينعكس إيجاباً على استقرار الأسعار، ويخفف الضغط على سوق النقد الأجنبي، ويحد من المضاربات، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التخطيط الاقتصادي. أما الفشل ـ لا قدر الله ـ فقد يضيف أعباء جديدة إلى اقتصاد أنهكته الحرب والتحديات المتراكمة.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على القرار نفسه، وإنما على ما بعد القرار. فالأمم لا تتقدم بالإعلانات، وإنما بالنتائج. ولا تُقاس السياسات بما يُكتب عنها، وإنما بما تحققه من أثر في حياة الناس.
ومع ذلك، فإن من الإنصاف القول إن السودان، وهو يطوي صفحة الحرب ويفتح أبواب التعافي وإعادة البناء، يحتاج إلى مثل هذه الخطوات الجريئة التي تعيد للدولة دورها في إدارة الملفات الاستراتيجية، شريطة أن يكون ذلك وفق قواعد الإدارة الحديثة ومنهج التخطيط العلمي ومبادئ الحوكمة الرشيدة.
إن الاقتصاد السوداني اليوم يقف عند مفترق طرق ، بين إرث طويل من الأزمات، وأمل متجدد في التعافي والنهوض. وقد يكون قرار الوقود واحداً من تلك المنعطفات التي يُبنى عليها الكثير، إذا أحسن التخطيط لها والتنفيذ والمتابعة.
فالوقود في ظاهره سلعة، لكنه في جوهره اختبار لقدرة الدولة على الإمساك بخيوط الاقتصاد، واستعادة زمام المبادرة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول. وتلك هي المعركة الحقيقية التي ينتظر السودانيون أن تنتصر فيها الإرادة والمصلحة الوطنية .




