
د.اسماعيل الحكيم يكتب..منى.. ترمومتر الغضب السوداني ورسالة الاستباق لما بعد الحرب.
لم تكن ردهات مشعر “منى” المقدّس لهذا العام 1447ه ، حيث تذوب الفوارق وتصفو النفوس، مساحة لأداء مناسك الحج فحسب، ولكنها تحولت مؤخراً إلى مرآة عاكسة لعمق الجرح السوداني، وتجسيداً حياً لدرجة الاحتقان التي بلغت مداها في صدور أبناء الشعب السوداني تجاه كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، أو ارتهن لمليشيا الدعم السريع المتمردة.
الواقعة التي نقلها موقع ون كليك نيوز الإخباري—بإقدام مواطن سوداني على ضرب المدعو “السافانا” إثر وجوده ضمن الحجيج—تتجاوز تصنيفها كحادثة فردية أو مشاجرة عادية وستنتهي ، إنها ومضة وعي جمعي مشحونة بغضب وطني لا يخبو، وترجمة تلقائية لرفض شعبي عارم طال كل من شارك أو شايع أو برر فظائع المليشيا.
والمفارقة الصارخة في هذه الحادثة تتجلى في الموقف الذي وضعته السلطات السعودية أمام المواطن المعتدي، بتخييره بين الاعتذار أو الترحيل. وهنا تجلت “عزة النفس السودانية” في أبهى مواقفها السياسية والوجدانية ، إذ فضّل الرجل الترحيل ومغادرة الأراضي السعودية على أن يقدّم اعتذاراً لرمز من رموز مؤازرة المليشيا.
إن هذا الموقف البطولي يبعث برسالة واضحة لا لبس فيها ، الاعتذار للخونة هو خيانة دونه اقتلاع الجذور . لقد آثر هذا المواطن أن يشيع مستقبله الاغترابي على أن يمنح صك غفران لـمن استباحوا العِرض والأرض.
وتؤكد هذه الواقعة حقيقةً جوهرية، وهي أن مليشيا الدعم السريع قد شيعها الشعب السوداني إلى مثواها الأخير، ولم يعد لها، ولا لمنتسبيها، موطئ قدم في الوجدان الجمعي. لقد سقطت الأقنعة السياسية، وتبخرت الحواضن الاجتماعية تحت وطأة الجرائم والانتهاكات، ولم يتبقَّ في الذاكرة السودانية سوى مرارة الغدر، مما جعل المليشيا غريبة في أرضها، مطرودة من وجدان أهلها قبل أن تُطرد بقوة السلاح.
وتمثل حادثة “منى” قراءة استباقية دقيقة لشكل المجتمع السوداني في مرحلة ما بعد الحرب. إنها إعلان مبكر بأن السودان القادم لن يتسع لخائن، ولن يرحب بمرتزق، ولن يقبل بعفا الله عما سلف مع من استباح بيوت المواطنين وشرد الملايين.
إنها رسالة شديدة اللهجة والنبرة للمليشيا وحواضنها السياسية والاجتماعية: ابحثوا لكم عن وطن آخر غير السودان . فالمعركة القادمة—والتي بدأت ملامحها تتشكل تلقائياً—ليست معركة عسكرية تقودها الجيوش فحسب، وإنما هي معركة وجودية واجتماعية سيخوضها الشعب السوداني بأسره ضد كل من تحالف مع القتلة ومغتصبي الحرائر ..
لقد أثبتت الأيام، وتؤكد الحوادث يوماً بعد يوم، أن دماء الشهداء وعذابات النازحين والمهجرين قد حفرت خندقاً سحيقاً يفصل بين الشعب السوداني وبين المليشيا وأعوانها. وما جرى في منى هو أول الغيث، وإنذار صريح بأن الوعي الشعبي قد تجاوز محطات المساومة، وأن قطار المحاسبة الاجتماعية قد انطلق، ولن يتوقف حتى يُطهر أرض الوطن من دنس الخيانة.




