
د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..معركة “بانجول”.. هل ينجح السلاح القانوني في محاصرة رعاة الحرب بالسودان؟
إنّ إدارة الحروب الحديثة لم يعد بخرخيرة السلاح وصليل السيوف في ساحات المعارك الفسيحة وحدها ، بل أصبحت تُخاض رحاها في ردهات المحاكم الدولية، وعبر حبر المواثيق وبنود القانون الدولي. وفي هذا السياق المفاهمي الجديد، تأتي الدعوة القضائية غير المسبوقة التي تقدم بها تحالف من القانونيين السودانيين والعرب أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في “بانجول” بغامبيا، لتنقل الصراع السوداني من خانة المواجهة العسكرية والإعلامية إلى مربع الإثبات القانوني الدامغ والقائم على الأدلة والحجج الموثقة.
لتأتي هذه الخطوة الجسورة، التي استهدفت مقاضاة ست دول (من بينها تشاد، إثيوبيا، أفريقيا الوسطى، كينيا، وليبيا) بتهمة الدعم المباشر والمساندة اللوجستية لجرائم ميليشيا الدعم السريع، والمطالبة بتعويضات تاريخية تقدر بـ300 مليار دولار للشعب السوداني، بقدرما هي تحول استراتيجي يمنح القضية السودانية بُعداً دولياً وإقليمياً جديداً.
وتكتسب هذه المبادرة القانونية شرعيتها وصلابتها من استنادها إلى مرجعيات قانونية راسخة؛ وفي مقدمتها ميثاق بانجول (الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب ، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني. إنها محاكمة علنية لمفهوم حرب الوكالة الذي بات يهدد القارة السمراء، حيث تُشعل القوى الإقليمية الحروب دون مواجهة مباشرة، وإنما عبر تمويل المرتزقة، وتقديم الغطاء السياسي والإعلامي، وتسهيل خطوط الإمداد العسكري.لقد نجح هذا التحالف القانوني في وضع المجتمع الدولي والإقليمي أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية، محولاً التقارير الإعلامية والاتهامات السياسية إلى مستندات اتهام جنائية تنتظر الفصل القضائي، ومؤكداً أن السيادة الوطنية للدول لا تعني بأي حال من الأحوال منحها صكاً أبيض لرعاية الإرهاب العابر للحدود وتدمير البنى التحتية للدول المجاورة.
ورغم عبقرية الخطوة وقوة منطلقاتها، إلا أن بقاءها في إطار “المبادرة الأهلية أو الحقوقية المستقلة” قد يحد من قدرتها على إحداث الاختراق المطلوب. ومن هنا، يصبح من الواجب الحتمي على الحكومة السودانية التقاط هذا القفاز فوراً، وتبني هذه الدعوة كمسار استراتيجي متكامل تتقاطع فيه الدبلوماسية بالسياسة، والإعلام بالقانون.إن رعاية الدولة السودانية لهذه القضية تتطلب خطوات عملية عاجلة، أبرزها: الدعم المعلوماتي والأمني: وذلك بمد اللجان القانونية بكافة الأدلة الرسمية، والتقارير الاستخباراتية الموثقة من قيادة الجيش، وجهاز الأمن والمخابرات، ومحاضر الشرطة السودانية، لتعزيز ملف القضية بحجج لا تقبل الدحض.
الاستنفار الدبلوماسي: بتحريك البعثات الدبلوماسية السودانية في المحيط الأفريقي وفي أروقة الأمم المتحدة، لشرح أبعاد القضية وتبيان كيف يشكل هذا السلوك الإقليمي المستهتر تهديداً مباشراً للسلم والأمن المجتمعي والدولي. بناء تحالف قانوني عابر للحدود وتأسيس جبهة قانونية دولية تضم كبار الخبراء في القانون الدولي، القانون الإنساني، وجرائم الحرب، لإدارة المعركة القانونية باحترافية تسد الثغرات وتضمن محاصرة الدول المدعى عليها.إن التعويضات المطلوبة (300 مليار دولار)، وإن كانت رقماً فلكياً يعكس حجم الدمار الممنهج الذي حاق بالإنسان السوداني ومقدراته، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه القضية تكمن في الردع السياسي والأخلاقي ،
لقد بدأت معركة بانجول، وهي معركة لا تقل ضراوة عن معارك الخرطوم والفاشر والجزيرة؛ فإذا أحسنت الدولة السودانية استثمار هذا المسار وتوظيفه، فإنها لن تكسب قضية تعويضات فحسب، ولكنها ستصيغ معادلة جديدة للأمن الإقليمي، تؤكد فيها أن دماء السودانيين ودموعهم ليست رخيصة، وأن ثمن التآمر على الشعوب باهظٌ جداً، تُسدده الدول الراعية من هيبتها، وسيادتها، وأموالها.




