
(كاني ماني )يحيى البحاري يكتب .. سلمى
كانت سلمى تسير في الطريق الترابي الضيق بخطوات هادئة، تحمل الجَرّة الممتلئة بالماء فوق كتفها الأيسر، بينما تسند بيدها اليمنى عنق الجَرّة حتى لا تميل. بدا الماء داخلها يتحرك بخفة مع كل خطوة، فتنعكس أشعة الشمس على حافتها. كانت ترتدي ثوبا بسيطا بلون أخضر داكن، وقد التصق طرفه قليلا بالأرض. وجه سلمى يحمل ملامح القرى المطمئنة. بشرة قمحية أرهقتها الشمس، وعينان واسعتان فيهما ضياء خفيف يشبه حنين الأمهات. خصلات من شعرها الأسود انسلّت من تحت غطائها. لم يثنِها قطع التيار الكهربائي، ولا تعنيها أسباب الحرب المتناقلة على
محطات الأخبار، لكنها كانت تعي أنها لا تطلب من الحكومة شيئا. كانت البيوت الطينية مصطفة على جانبي الطريق، أبوابها نصف المفتوحة تكشف ظلال أصحابها وهم يراقبون حركة الصباح. ومن بعيد، كان نباح الكلاب وصراخ الأطفال يمتزجان بأصوات المدافع والرصاص. كانت سلمى تمر قرب الجدران الطينية فتترك الشمس ظلها فوق الأرض، بينما تواصل السير بثقة امرأة اعتادت أن تحمل مسؤوليات البيت منذ سنوات طفولتها المبكرة. عندما اقتربت من باب منزلها، توقفت لتعدل وضع الجَرّة فوق كتفها، وأصوات البنادق في ازدياد، ثم رفعت رأسها نحو السماء كأنها تلتقط أنفاسها بعد رحلة عودتها من البئر. ثم تداعى إليها صوت جارتها: “يا سلمى، (الجنجويد) سيدخلون القرية.” في تلك اللحظة، بدت سلمى كأنها لوحة قديمة خرجت من ذاكرة القرية، فتاة بسيطة
تحمل الماء، وتحمل معه تعب الأيام وهدوءها. وفي ليالي العيد، كانت سلمى أكثر نشاطا. تتحرك داخل البيت الطيني، تنظف الأواني، وترتب الفرش، وتزيل الغبار عن الزوايا المتسخة، ثم تزين المكان بما توفر من أقمشة وألوان. كانت ترى أن العيد لا يكتمل إلا ببيت مرتب تفوح منه رائحة البخور وإكرام الضيف. وعندما يصل الزوار، تستقبلهم سلمى بابتسامتها المعهودة وكلمات ترحيبها الصادقة، فتبادرهم بتقديم الحلوى والخبيز فتجعل الجميع يشعرون بالامتنان. وبين أخواتها، كانت الأكثر حركة ونشاطا، لا تمل من العمل ولا تتأخر عن مساعدة والدتها أو مشاركة أبيها في ترتيب أشيائه. اليوم عاد العيد، ولم تعد سلمى! ماتت سلمى في طريق (النزوح) لم تكن تحمل سوى حقيبة صغيرة وأحلاما بالعودة أكبر من حجم الحرب التي لاحقتها. كانت تمشي مع عائلتها بين طرق لا تعرفها، تبحث عن الأمان. لقد أنهكها التعب، والخوف، والجوع، والمرض. ماتت سلمى! كما تموت كل الأشياء الجميلة حين لا تجد من يحميها. الحرب لم تترك لها فرصة لتكمل طريقها، ولا لتقول: “عيدكم مبارك، وينعاد عليكم”. فقط قتلتها الحرب كما قتلت كل ما هو بريء، وخلّفت خلفها قلوبا حزينة. فالحرب تمحو الطرق، والأحلام، والذكريات، والأسماء. وكان بإمكان سلمى أن تصير حياة كاملة.




